إن الطلاق وإن كان مباحاً في ظروف معينة، إلا أنه أبغض المباحات عند الله تعالى، لما يترتب عليه آثار لا تختفي على أحد، خاصة فيما يتعلق بالأولاد، ويخطئ من يتعامل معه بغير هذا الفقه أو الفهم، فالطلاق بتر جد حاد ولا يسعى إليه عند السلامة إنما يقهر عليه من لا يستقيم أمره إلا به وبهذه النفسية فقط لابد أن يتعامل معه!

 

أما أن يتحول الطلاق إلى كلمة تلوكها الألسنة، وتقذف بها ليلاً ونهاراً على ما تفه من الأمور فهذا هو السفه بعينه الذي لا يقره لا شرع ولا دين، إن الطلاق خط العلاج الأخير، الذي لا يلجأ إليه إلا لدفع مفسدة أعظم منه، ولذا واجب قبل الانتهاء إليه استنفاد كل سبل العلاج الأخرى التي من شأنها أن تحفظ على البيت تماسكه وعدم انفصام عراه، وقد وضحت عض هذه السبل في المقالين السابقين، واليوم أكمل ما بدأته معتمداً سياسة التعامل مع الموضوع نفسه والتي فيها ننتقل من درجة الخلاف الأقل إلى التي تعلوها، وهكذا موضحين ما يناسب كل درجة من هذه الدرجات من علاج! 

والآن أبدأ وأقول إنه إذا كان الخلاف حول أمر جوهري يصعب التسامح فيه ولا تعالجه الموعظة ولا ينفعه الهجر أو المغاضبة، أو حتى الاستشفاع بصديق أو قريب لحل المشكلة فمن الممكن عقد صلح أو اتفاق بين الزوجين يقوم على إقرار بتنازل الطرف المخطئ عن بعض حقوقه في سبيل الحفاظ على البيت والأولاد وعدم الانتهاء إلى الطلاق قال تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) "سورة النساء 128".

ومن أمثلة هذا الصلح الوارد في الآية الكريمة ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً) هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها (لا يرغب في الكثير منها) فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: امسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة علىًّ والقسمة لي، فذلك قوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير).

لقد نمت إلى سمعي هذه القصة التي روتها أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها بحذافيرها في وقتنا الحالي، امرأة أقرت بأنها أخطأت في حق زوجها، وأنها ظلت أثنى عشر عاماً مقصرة في حقه، وأنها لم تستمع إليه طيلة هذه السنوات التي لم يستطيع أن يتحمل أكثر منها، والتي كان له فيها منها ولدان وراح يبحث له عن زوجة أخرى، حتى وجدها، ولما وجدها وأبلغ زوجته الأولى بنيته في الزواج بها (الثانية) وتطليقها (الأولى)، طلبت منه ألا يفعل ذلك وأن يبقيها على عصمته وأن يتنازل له عن حقوقها الشرعية فيما يخص نفقتها الخاصة وغير ذلك من أمور، وكان منطقها في ذلك أنها بالطلاق ستفقد وليدها أو على أقل تقدير يتشتتان وسينشآن تنشئة غير سوية وأنها ستقلب بالمطلقة، وسيلفظها المجتمع، خاصة أنها بلغت من العمر مبلغاً يصعب معه لأحد أن يطلب يدها فيه، وجمالها لا يشفع لها كثيراً في هذا الأمر، هل هذا الحل الذي ارتضته تلك المرأة أفضل أم طلاقها وتبعات طلاقها أفضل؟ سؤال أطرحه على حضراتكم وأرجو التفكير في إيجابته بهدوء وحرية وعقلانية، ومن دون انفعال!

هل من الممكن أن ينقلب الوضع؟ يعني هل من الممكن إذا زهدت المرأة في الرجل وردت له ما قدمه لها من مهر يقوم الرجل بالتنازل لها عن بعض حقوقه نظير عدم وقوع ذلك وما يتبعه خاصة فيما يتعلق بالأولاد؟ قال البعض فيما يتعلق من أهل النظر في الفقه ولم لا؟ وضربوا مثالاً على ذلك الرجل يتنازل عن حقه في الاستمتاع بالجنس الذي يرغب هو فيه وترغب عنه، وضربوا مثالاً آخر للرجل يعفي امرأته من بعض مسؤولياتها في تدبير شؤون البيت لتعمل عملاً مهنياً يدر عليها دخلاً وألا تسد به حاجة بعض ذويها الفقراء.


ليس من الضروري أن ينظر إلى مثل هذا الفعل من الرجل على أنه تنازل عن رجولته، وأنه أتى بما لا يأتي به الرجال، والأمر يحتاج إلى تفكير هادئ مع الإقرار أن لكل حالة خصوصيتها التي لا ينفع حكم غيرها فيها، فربما يكون مثل هذا الفعل مستحباً في حالة وجائزاً في أخرى وخطراً في ثالثة، ومنقصة في رابعة هكذا، ما رأيك لو اشتد الخلاف أكثر من ذلك وعجزت كل الطرق السابقة من تغافل وتسامح وموعظة ومغاضبة وهجر لطيف وطويل واستشفاع بقريب أو صديق، وتنازل عن بعض الحقوق في لعلاج ماذا يكون العمل؟ والأمل ساعتها سيكون في التحكيم.

وهو الحكم الذي جاء في قوله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً) النساء 35، أولاً وقبل شرح الموضوع أحب أن أصرح بأن التحكيم مختلف عن الاستشفاع بقريب، فالشافع يوجه برفق من له عنده منزلة إلى أمر فاته أو قصر فيه تجاه الطرف الآخر، والمشفوع عنده يستجيب لتلك الشفاعة، وعادة ما ينفع هذا النوع من العلاج في درجات الخلاف البسيطة أو المتوسطة، ولكن التحكيم الذي نحن بصدده يتم في الحالات القصوى التي تتفاقم فيها المشكلات والخلافات، وتطرح فيها قضية الطلاق نفسها بقوة، وهذا ما يظهر من قوله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما).

إن الأمور إذا وصلت إلى هذه المرحلة وحتى لا يتم الطلاق، إلا بعد استنفاد كافة سبل العلاج الممكنة، يجتمع ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل، والثقة هذا لابد أن يكون من أحكم الناس وأعدلهم وأنضجهم وأبصرهم وأتقاهم لله في مثل هذه الأمور فإن لم يوجد هذا الثقة في أهل المرأة أو الرجل يرسل إلى غيرة ممن تتوافر فيه هذه الصفات حتى يكون الحكم أرضي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فينظر كل منهما في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، مع الوضع في الاعتبار أن الشرع يميل ويحب التوفيق ولهذا قال تعالى (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) ولقد جاءت عليا بن أبي طالب امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما جماعة من الناس فأخرج هؤلاء حكمين، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتها، فقالت المرأة رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك، إن الحكمين اللذين تتوافر فيهما ما ذكرت من صفات سيقلبان الموضوع من كافة أوجهه، وسيعرضان وضع كل الأطراف فيه، الرجل والمرأة والأبناء، والأهل، والظروف المحيطة، وسيزنان تأثير الطلاق على كل ذلك، كما أنهما سيزنان تأثير التوفيق وبعد مداولتهما وبذلهما الرأي لله، سيصدران الحكم الذي ارتأياه أوفق للأوضاع، إما التوفيق أو الطلاق!

وساعتها سيكون الطلاق – بإذن الله تعالى – ولله الأمر من قبل ومن بعد أفضل من الاستمرار في حياة تحكم كل ما فيها ومن فيها، للأولاد وللمرأة وأهلها، وللرجل وأهله، الأمر الذي إذا حدث – لابد وأن يحدث بمنتهي الرقي، والعدل والإحسان تنفيذاً لأم الله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وللحديث بقية بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة اله وبركاته.

 

أ. عمرو خالد لمجلة المرآة بتاريخ 12 أكتوبر 2004