لماذا تفشل برامج تطوير القيادة في دعم النساء؟ وكيف يمكن إصلاح هذا الخلل؟

على الرغم من التقدم الملحوظ في مجال تطوير القيادات، لا تزال عديدٌ من الأساليب التقليدية عاجزةً عن تقديم الدعم الحقيقي والفاعل للنساء الطامحات إلى المناصب القيادية، أو اللواتي يتولينها بالفعل.



وبمناسبة يوم المرأة العالمي (8 مارس 2025)، أجرى موقع "ترينينغ زون" (TrainingZone) مقابلة مع "مايري فيرلي" (Mairi Fairley)، الشريكة ورئيسة مجلس الإدارة في شركة "أو سي آند سي للاستشارات الاستراتيجية" (OC&C Strategy Consultants)، للحديث عن هذه الفجوة، والسبل الكفيلة بتجاوزها.

ترى "مايري فيرلي" أنَّ برامج المنتورينغ المهني، والدورات القيادية، وتدريبات المرونة النفسية، متوفرة بكثرة، ولكنَّها ليست كافية وحدها. وتوضح أنَّ الحل لا يقتصر على تأهيل النساء للتعامل مع الأنظمة القائمة، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل تلك الأنظمة ذاتها، بما يسمح باستيعاب أنماط متنوعة من القيادة، ويمنح النساء فرصة حقيقية للتميز والنجاح.

وفي هذا السياق، تتناول "مايري" أبرز التغييرات اللازمة في مناهج تطوير القيادات لدعم النساء، مستشهدة بتجربتها الشخصية في مسارها نحو القمة.

الرعاية القيادية: دعم فعلي يتجاوز المنتورينغ

تشير "مايري" إلى أنَّ أحد أكثر الجوانب التي تستدعي إعادة نظر هو مفهوم "الرعاية القيادية" (Sponsorship)، بعدّها شكلاً أعمق وأكثر فاعليةً من المنتورينغ المهني التقليدي (Mentorship).

كما وتوضح أيضاً أنَّ المنتورينغ يقدم التوجيه والدعم المعنوي. أما الرعاية القيادية، فتمثل نقلة نوعية؛ لأنَّها تتضمن الدفاع النشط عن المرأة داخل المؤسسة وفتح الأبواب أمامها للترقي والتقدُّم.

وتلفت النظر إلى أنَّ النساء غالباً ما يجدن صعوبةً في الوصول إلى رعاة قياديين، بل وقد يترددن في طلب هذا النوع من الدعم صراحة.

من هذا المنطلق، توصي "مايري" بأن تبادر المؤسسات إلى تفعيل برامج الرعاية القيادية، وتشجيع القادة التنفيذيين على تبنّي النساء ذوات الكفاءة العالية ومساندتهن في مسارهن المهني.

وفي المقابل، ينبغي أن تدرك النساء أهمية هذه العلاقة المهنية، وتسعى لبناء شبكات تواصل قوية مع صناع القرار، تُمكّنهن من الحضور الفعّال في دوائر القيادة. فالرعاية القيادية، حين تُمارَس بوعي واستراتيجية، قادرة على إحداث فارق جذري في مسار القيادات النسائية، رغم أنَّها لا تزال أداة غير مُستثمَرة كما يجب.

شاهد بالفيديو: رائدات غيّرن مفهوم ريادة الأعمال حول العالم

توسيع منظور القيادة: من النموذج الصارم إلى الأسلوب التشاركي

تُنتَقَد النظرة السائدة للقيادة بوصفها مرتبطة بصفات نمطية كالصرامة، والثقة الزائدة، والوضوح الحاد، وهي سمات قد لا تعكس بالضرورة أساليب القيادة التي تميل إليها كثير من النساء.

وترى "مايري" أنَّ هذا التصوُّر الضيّق للقيادة يُقصي طيفاً واسعاً من المواهب، ويغفل عن فعالية أساليب بديلة، كالتشاركية، والتعاطف، والقدرة على التكيُّف.

وقد شكّل لقاء "مايري" بإحدى الرئيسات التنفيذيات – التي كانت تتبنى نهجاً تشاركياً في القيادة – نقطة تحوّل في مسيرتها؛ إذ غادرت "أو سي آند سي" للعمل معها، متعلمة عن قرب من أسلوبها ونهجها، قبل أن تعود لاحقاً إلى شركتها الأولى وقد أصبحت أكثر ثقةً وكفاءةً في دورها القيادي.

وتؤكد أنَّ الاطلاع على نماذج نسائية متنوعة في القيادة من شأنه أن يُلهم النساء ويمنحهن الثقة لتطوير أسلوبهن القيادي الخاص، بعيداً عن القوالب الجامدة.

كما تشدد على أنَّ توفير فرص منظّمة تُمكّن النساء من التواصل والتعلم من بعضهن يمكن أن يكون له أثر بالغ في بناء قيادات نسائية أكثر قوةً وتأثيراً.

"توفير فرص منظمة للنساء ليتواصلن ويتعلمن من بعضهن سيكون نقطة تحوّل""مايري فيرلي" (Mairi Fairley)

المرأة والقيادة

إصلاح البيئة لا المرأة: تطوير الأنظمة الداعمة

توضح "مايري" أنَّ برامج القيادة لطالما ركزت على تكييف المرأة لتتلاءم مع بيئات يغلب عليها الطابع الذكوري، بدلاً من السعي إلى تعديل هذه البيئات ذاتها لتكون أكثر عدلاً وشمولاً.

وبينما لا تزال المهارات الفردية مثل المرونة والتكيّف ضرورية، إلا أنَّ "مايري" تؤكد على ضرورة منح أولوية موازية لإعادة تشكيل بيئات العمل لكي تستوعب الأساليب القيادة المتنوعة وتدعمها.

وتستشهد بتجربتها في شركة "أو سي آند سي"؛ إذ استفادت من نموذج عمل مرن مكّنها من التوفيق بين دورها القيادي وحياتها الأسرية؛ إذ تعمل لأربعة أيام فقط في الأسبوع، وتخصّص شهراً كاملاً كل صيف لتقضيه مع ابنتيها. وتذكر أنَّ هذا التوازن لم يكن مفيداً على المستوى العملي فقط، بل كان جوهرياً أيضاً في تجنّب الاحتراق الوظيفي وتعزيز شعورها بالسعادة والرضا المهني.

وترى أنَّ المؤسسات التي تنشد تمكيناً حقيقياً للنساء في مواقع القيادة يجب أن تتبنّى المرونة كمكوّن أساسي ضمن هياكلها، لا كاستثناء مؤقت، بل كخيار استراتيجي لتحقيق قيادة أكثر استدامةً وإنسانيةً.

تطوير برامج القيادة

شبكات الدعم والتعلم الجماعي: مفتاح الثقة والتمكين

تسلّط "مايري" الضوء على أهمية الحوار مع القياديات الأخريات، وترى أنَّ مشاركة التحديات، والاستفادة من تجارب الأخريات، ومناقشة سبل تجاوز العقبات، كلها عوامل أساسية ساعدتها في تنمية ثقتها بنفسها وتشكيل أسلوبها القيادي.

وتدعو إلى إنشاء منصات رسمية ومنهجية مثل حلقات التعلم الجماعي، والمجالس القيادية النسائية، وفعاليات التشبيك، التي من شأنها أن تخلق منظومة دعم متينة تُعين النساء على تخطي التحديات بثبات ورؤية أوضح.

دعم الأمهات العائدات إلى سوق العمل

تُعَد العودة إلى العمل بعد الإنجاب من أصعب المراحل المهنية التي تمر بها المرأة، وتؤكد "مايري" أنَّ الحلول النمطية لا تفي بالغرض، نظراً لتباين الاحتياجات بين النساء. فبينما تفضل بعضهن العودة التدريجية، تميل أخريات إلى العودة الكاملة مباشرة.

ولهذا تقترح أن يتضمن الدعم المهني مجموعة متنوعة من الخيارات المخصصة، تشمل العمل المرن، والمنتورينغ والكوتشينغ الشخصي، والتدريب الفردي، بما يوفر انتقالاً سلساً ومتكيفاً مع ظروف كل امرأة.

وتشير إلى أنَّ تعاونها مع كوتش خارجي كان مفيداً للغاية في مساعدتها على إعادة تنظيم وقتها بين العمل والأسرة، وتعدّ هذا النوع من الدعم ضرورياً، ليس فقط لنجاح الأفراد، بل أيضاً للحفاظ على القيادات النسائية وتطويرها في المؤسسات.

"علينا أن نطور الأنظمة، لا الأفراد فقط، من خلال تهيئة بيئات العمل لتكون أكثر شمولاً""مايري فيرلي" (Mairi Fairley)

إقرأ أيضاً: تحديات المرأة في قيادة فِرق العمل وكيفية التغلب عليها: استراتيجيات للنجاح والتمكين

في الختام

تدعو "مايري" إلى الابتعاد عن النماذج التقليدية، وتبنّي منهج شامل يأخذ في الحسبان الأبعاد الفردية والمؤسسية معاً حتى تؤتي برامج تطوير القيادة ثمارها الحقيقية في تمكين النساء.

وتقترح إعلاء قيمة "الرعاية القيادية" بدلاً من الاقتصار على المنتورينغ، وتوسيع مفهوم القيادة ليشمل أساليب متعددة، والاعتراف بقيمة التنوع القيادي.

كما تشدد على ضرورة إصلاح بيئات العمل لتكون أكثر احتواءً، وتوفير فرص ممنهجة للتعلّم الجماعي، وتبادل الخبرات بين النساء، إلى جانب دعم الأمهات من خلال مسارات عودة مصمّمة حسب ظروفهن الخاصة.

وتختم "مايري" بالتأكيد على أنَّ هذه التغييرات ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء جيل جديد من القائدات القادرات على تعزيز الشمولية، والاستدامة، والفعالية في مجال القيادة.




مقالات مرتبطة