دليل كامل لفهم مراحل الولادة الطبيعية

تعد الولادة الطبيعية عملية فسيولوجية معقدة تمرُّ بها النساء في جميع أنحاء العالم، ووسيلة أساسية لولادة الأطفال، على الرغم من التقدم الطبي وزيادة اللجوء إلى العمليات القيصرية، إلَّا أنَّ الولادة الطبيعية لا تزال الخيار الشيائع، وفقاً لآخر إحصائيات عالمية متاحة (2021-2022)، كانت نسبة الولادات القيصرية عالمياً تتراوح بين 21% إلى 30%، مع وجود تباينات كبيرة بين المناطق.



بلغت نسبة الولادات الطبيعية لعام 2024 وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية 71.4%، بينما شكَّلت الولادات القيصرية 27.1% بين النساء في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عاماً، وأشارت وزارة الصحة والسكان في مصر إلى أنَّ نسبة الولادات القيصرية وصلت إلى 72% من إجمالي عدد الولادات، مما يجعلها أعلى المعدلات في العالم.

تبقى القيصرية مع تباين النسب بين الدول خياراً مفضلاً في بعض الحالات الطبية أو عند وجود مضاعفات قد تهدد حياة الأم أو الجنين، نقدم في هذا المقال دليلاً كاملاً لفهم مراحل الولادة الطبيعية وأهميتها الصحية وكيفية الاستعداد لها، مع إلقاء الضوء على العوامل التي قد تؤثر في اختيار نوع الولادة.

ما هي الولادة الطبيعية؟

عملية فسيولوجية تحدث عندما يبدأ الجسم في المخاض، مما يؤدي إلى ولادة الطفل من خلال المهبل دون الحاجة إلى تدخل جراحي، وتتكون هذه العملية من عدة مراحل، بدءاً من التقلصات التي تؤدي إلى تمدد عنق الرحم، مروراً بخروج الجنين من خلال قناة الولادة، وانتهاءً بخروج المشيمة بعد ولادة الطفل.

وتستغرق الولادة الطبيعية عادة من 8 إلى 18 ساعة في أول ولادة، وقد تكون أقصر في الولادات اللاحقة، على الرغم من كونها عملية طبيعية، إلَّا أنَّها قد تكون مؤلمة للغاية، فتعاني الأم من انقباضات الرحم التي تُسبب ضغطاً وألماً في منطقة البطن وأسفل الظهر، وعلى الرغم من ذلك فهي توفر فوائد صحية للأم والطفل، مثل تقليل المخاطر المرتبطة بالعمليات الجراحية وتعزيز التفاعل بين الأم وطفلها.

دليل كامل لفهم مراحل الولادة الطبيعية

المراحل الثلاثة للولادة الطبيعية

تعد الولادة لحظة امتزاج الألم بالفرح، والتحدي بالعطاء، فهي تجربة عاطفية وروحية تعيشها المرأة وتعِدُّها أهم تجارب حياتها وتتألف من ثلاث مراحل رئيسة:

1. المرحلة الأولى: مرحلة المخاض (الطويلة)

تبدأ المرحلة الأولى من الولادة عندما تشعر المرأة بالتقلصات الرحمية المستمرة التي تصبح أقوى وأكثر تواتراً مع مرور الوقت وتفتح عنق الرحم وتوسِّعه؛ إذ تجعل هذه الانقباضات عنق الرحم أكثر ليونة وأقل سماكة.

وتُعد هذه المرحلة هي الأطول من مراحل الولادة، وتتمثل في عملية تدريجية تسهم في التحضير للولادة الفعلية، وتنقسم هذه المرحلة إلى ثلاث مراحل فرعية:

1.1. المرحلة الكامنة (الخفيفة)

تبدأ التقلصات في هذه المرحلة بدءاً غير منتظم وتستمر لفترات قصيرة، فقد تشعر المرأة بألم خفيف إلى معتدل في أسفل البطن والظهر مع شعور الضغط في الحوض، هذه المرحلة قد تستغرق من عدة ساعات إلى أيام، وفي بعض الحالات، قد تكون هذه المرحلة غير ملحوظة خصيصاً في الولادة الأولى.

ويتم اتخاذ عدة إجراءات لتخفيف الألم وزيادة الراحة، مثل التنفس العميق، والمشي، والاستحمام بالماء الدافئ، والتدليك، وتغيير الوضعيات في حال ملاحظة المرحلة الخفيفة من المخاض.

كما يُنصح بالاستماع إلى موسيقى مهدِّئة والاسترخاء للحصول على راحة نفسية، ويُفضَّل في هذه المرحلة البقاء في المنزل إذا لم تكن هناك مخاطر على الحمل، والذهاب إلى المستشفى أو مركز الولادة فقط عندما تصبح التقلصات أكثر قوة وتكراراً.

2.1. المرحلة النشطة

تنتظم التقلصات في هذه المرحلة وتصبح أكثر قوة، فيتمدد عنق الرحم ليصل إلى 4 سم أو أكثر، وتزداد مدة التقلصات وقوتها، وقد يستمر الألم في الزيادة، وتحتاج الأم إلى التركيز على التنفس والتقنيات التي تخفف من الألم، وتستمر هذه المرحلة عادة بين 4 إلى 8 ساعات في الولادة الأولى.

3.1. المرحلة الانتقالية

تعد هذه المرحلة هي الأصعب في المخاض من حيث الألم، وفيها يتمدد عنق الرحم حتى يصل إلى 10 سم وتكون التقلصات قوية جداً ومتقاربة (كل 2-3 دقائق)، فتشعر الأم بالضغط الشديد، ويمكن أن يصاحبها شعور بالغثيان أو الرغبة في التقيؤ وتستمر عادةً لمدة 30 دقيقة إلى ساعة.

2. المرحلة الثانية: مرحلة الدفع والولادة

بعد أن يُفتَح عنق الرحم بالكامل (10 سم)، تبدأ المرحلة الثانية، فيتحرك الجنين تجاه قناة الولادة، وتشمل هذه المرحلة:

1.2. دفع الجنين

تشعر الأم بالحاجة إلى الدفع مع كل انقباض، وهو شعور يشبه الحاجة إلى التبرز، فتدفع الأم الجنين من خلال قناة الولادة تحت إشراف القابلة أو الطبيب.

2.2. خروج الجنين

يظهر رأس الجنين من المهبل عندما يتقدم، وتشعر الأم بضغط أكبر وبمجرد أن يخرج الرأس، يصبح باقي الجسم أسهل في الخروج، وتستغرق هذه المرحلة عادةً من 30 دقيقة إلى ساعتين.

3. المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الولادة (خروج المشيمة)

تخرج المشيمة بعد ولادة الطفل، وهنا قد تشعر الأم ببعض التقلصات البسيطة، لكنَّها أقل ألماً مقارنةً بالمراحل السابقة، وفي هذه المرحلة، يتأكد الأطبَّاء من أنَّها قد خرجت بالكامل من الرحم لمنع أية مضاعفات وتستغرق هذه المرحلة من 5 إلى 30 دقيقة، بالتالي يُقطَع الحبل السري، ويُفحَص الطفل للتأكد من صحته، فقد تحتاج الأم إلى علاج طبيعي إذا كانت قد تعرضت لتمزقات أو قطع في الولادة.

هذا وتواجه الأم في بعض الحالات صعوبة في إخراج المشيمة (وتسمى هذه الحالة "احتباس المشيمة")، مما قد يتطلب تدخلاً طبياً، فإذا لم تخرج بالكامل أو إذا حدث نزيف غير طبيعي، قد يتطلب الأمر تدخلاً جراحياً أو عملية كحت لتنظيف الرحم، وتعد مرحلة ما بعد الولادة من المراحل التي يُتأكَّد فيها من أنَّ كل شيء قد انتهى، وأنَّ الأم في طريقها للتعافي بعد الولادة.

دليل كامل لفهم مراحل الولادة الطبيعية

خيارات التخدير في الولادة الطبيعية

يُستَخدَم في الولادة الطبيعية عدة أنواع من التخدير لتخفيف الألم ولتسهيل عملية الولادة، بالطبع تختلف الخيارات المتاحة بناءً على الحالة الصحية للأم والطفل، وتفضيلات الأم، وسياسات المستشفى، وإليك بعض الخيارات الشائعة للتخدير في الولادة الطبيعية:

1. التخدير الموضعي (الحقن الموضعي)

يُستخدم الحقن الموضعي لتخدير منطقة معيَّنة في الجسم دون التأثير في باقي الجسم، فتُحقَن مادة تخدير موضعية في المنطقة المحيطة بالمهبل أو عنق الرحم لتخفيف الألم في الولادة، وغالباً ما يُستخدم هذا النوع من التخدير عندما تكون المرأة في مرحلة متقدمة من المخاض ويرغب الطبيب في تخفيف الألم في دفع الجنين.

2. التخدير فوق الجافية (الإيبيدورال)

يعد التخدير فوق الجافية الشائع في الولادات الطبيعية، فتُحقَن مادة التخدير في الفضاء فوق الجافية المحيط بالحبل الشوكي لتخفيف الألم في أسفل الجسم، ويعطى هذا النوع من التخدير عن طريق قسطرة صغيرة توضع في أسفل الظهر، رغم أنَّه يخفف الألم كثيراً، إلَّا أنَّه لا يسبب فقداناً كاملاً للوعي، وقد تتطلب بعض الحالات تعديل الجرعة لتتناسب مع شدة الألم.

3. التخدير النخاعي

يُعطى التخدير النخاعي عن طريق حقن مادة التخدير في السائل الشوكي المحيط بالحبل الشوكي، وهو يختلف عن التخدير فوق الجافية في أنه يؤثر في جزء أكبر من الجسم ويمكن أن يوفر تخفيفاً أسرع للألم، وغالباً ما يُستخدم في الحالات التي تتطلب ولادة قيصرية أو عندما ترغب الأم في تخفيف الألم كثيراً.

إقرأ أيضاً: تعرّفي على الأسباب التي تقف وراء تأخر الولادة الطبيعية

4. غاز الضحك (أو أكسيد النيتروز)

يعد مزيجاً من الأوكسجين وأكسيد النيتروز، ويُستنشَق عن طريق قناع الوجه أو أنبوب مرن، فهو يخفف الألم والقلق خلال مرحلة المخاض، لكنَّه لا يزيل الألم بالكامل، ويُعد خياراً مناسباً للنساء اللواتي يرغبن في تخفيف الألم جزئياً مع الحفاظ على وعيهنَّ الكامل.

5. الحقن في العضلات (مسكنات الألم)

تُستخدَم المسكنات عن طريق الحقن في العضلات، مثل المورفين أو البيريدين، والتي  تُعطى لتخفيف الألم، لكنَّها لا تؤدي إلى تخدير كامل للمنطقة أقل من التخدير فوق الجافية؛ لأنَّ لها تأثيرات محتملة في حالة الطفل، مثل التسبب في بعض الهدوء أو التأخير في تنفسه بعد الولادة.

6. التقنيات غير الدوائية

تُستخدَم تقنيات غير دوائية بالإضافة للأدوية لتخفيف الألم، مثل الاسترخاء والتنفس العميق، التي تخفف حدة الألم والقلق، كما يمكن استخدام المياه الدافئة من خلال حمَّام دافئ لتخفيف الألم وتحسين الراحة، بالإضافة إلى التدليك أو الضغط اللطيف.

7. التخدير العام (في حالات الطوارئ)

تحتاج الأم في حالات نادرة إلى تخدير عام في حال وجود طارئ أو إذا تطلبت الولادة تدخلاً جراحياً سريعاً، ورغم أنَّ هذا يحدث نادراً في الولادات الطبيعية، إلَّا أنَّه قد يُستخدم في حالات، مثل الولادة القيصرية الطارئة.

خيارات التخدير في الولادة الطبيعية

كيف تستعدين للولادة الطبيعية؟

اهتمي بصحتك في فترة الحمل للاستعداد للولادة الطبيعية، من خلال اتباع نظام غذائي متوازن وممارسة التمرينات الرياضية المناسبة التي تقوي عضلات الجسم، فمن الهام حضور دروس تعليمية عن الولادة لتعلم تقنيات التنفس والاسترخاء التي تخفف الألم في المخاض، ويفضل تجهيز حقيبة المستشفى مسبقاً بمستلزماتك الشخصية وملابس الطفل.

وتحدَّثي مع طبيبك عن خيارات التخدير المتاحة وتأكَّدي من أنَّ لديك خطة ولادة مرنة تستجيب لحاجاتك وتفضيلاتك، فالحفاظ على راحة نفسية أمر ضروري أيضاً، والتقليل من التوتر والقلق يمكن أن يسهل عليك تجربة الولادة.

إقرأ أيضاً: الولادة الطبيعيّة والقيصريّة... سلبيات وايجابيات

بما تختلف الولادة الطبيعية عن الولادة القيصرية؟

تعد الولادة واحدة من أهم التجارب التي تمرُّ بها المرأة في حياتها، وهناك طريقتان رئيستان للولادة، الولادة الطبيعية والقيصرية؛ إذ تختلف هاتان الطريقتان في كيفية حدوث الولادة، وتحتاج كل منهما إلى ظروف صحية محددة وقرارات طبية.

بينما تعد الولادة الطبيعية الخيار الشائع والمباشر، وقد تكون الولادة القيصرية ضرورية في حالات معيَّنة تتطلب تدخلاً جراحياً لضمان سلامة الأم والطفل.

وفيما يأتي الفروقات بين هاتين الطريقتين من حيث الإجراء، والتعافي، والمخاطر، والظروف التي قد تستدعي اللجوء إلى كلٍّ منهما:

الميزة

الولادة الطبيعية

الولادة القيصرية

طريقة الولادة

من خلال المهبل طبيعياً

من خلال شق في جدار البطن والرحم

التعافي

أسرع، وعادة خلال أيام قليلة

يحتاج وقت أطول للتعافي بسبب الجراحة

التكلفة

أقل تكلفة عموماً

أعلى تكلفة بسبب إجراء الجراحة

التدخل الطبي

قليل، يعتمد على انقباضات الرحم الطبيعية

يتطلب جراحة طارئة أو مخطط لها

الألم

يمكن تخفيفه باستخدام المسكنات أو التخدير

يتم تحت تأثير التخدير العام أو الموضعي

المخاطر

أقل مخاطرة إذا كانت الولادة طبيعية

قد تشمل مخاطر متعلقة بالجراحة، مثل العدوى أو النزيف

الوقت في المستشفى

عادة ما يكون أقصر، يوم أو يومين

عادة ما يحتاج إلى 3-5 أيام بعد الجراحة

الملائمة لحالات معيَّنة

مناسبة للحمل الطبيعي

تُستخدم في الحالات الطارئة أو عند وجود مشكلات صحية للأم أو الجنين

في الختام

تعد الولادة الطبيعية خياراً صحياً ومناسباً لعدد من الأمهات، فتقدم تجربة ولادة أقرب إلى الطبيعة مع فوائد متعددة، مثل التعافي السريع والتقليل من المخاطر الجراحية.

ورغم أنَّ كل ولادة هي تجربة فريدة، فإنَّ الولادة الطبيعية تتيح للأم فرصة التواصل المباشر مع طفلها من خلال هذه اللحظة المميزة، ومن الهام أن تكون الأم مستعدة لهذه التجربة، سواء من خلال الإعداد البدني أم النفسي، وأن تكون على دراية بالخيارات المتاحة لها في المخاض، بالتالي تظل صحة الأم والطفل هي الأولوية، ويجب على كل امرأة أن تختار الطريقة التي تناسب حالتها وحالة طفلها.




مقالات مرتبطة