حقيقة حياة البرزخ والغيب المجهول
كثيرة هي التساؤلات الغامضة التي ما تزال تؤرق عقل الإنسان فيبحث عن أجوبة تشفي حمَّى أسئلته، حقيقة حياة البرزخ والغيب المجهول هي أحد أهم الإشكالات التي واجهة الفكر البشري منذ الأزل. ترى ماذا بعد الموت وغيبة الجسد؟ أسئلة كثيرة نحاول أن نجد لها تفسير في هذا المقال.
ما هي حياة البرزخ؟
نحن نُدرك أنَّ هذه الحياة الدنيا التي نعيش أحداثها ما هي إلَّا محطَّة مؤقَّتة قبل الانتقال إلى الحياة الخالدة في الآخرة، فإمَّا في الجنَّة، أو في النار والعياذ بالله، وبين الحياة الدنيا، والحياة الآخرة يوجد البرزخ.
لقد احتار العلماء في إعطاء التعريف الدقيق لحياة البرزخ، لكنَّ الغالب منهم أجمعوا على أنَّ حياة البرزخ هي الحاجز الفاصل بين الحياة الدنيا وبين حياة الآخرة، وهي الحياة التي تبدأ من بعد موت الإنسان، وتنتهي مع قيام الساعة.
هل يلتقي الأموات في حياة البرزخ؟
وفقَ رأي العلماء تنقسم الأرواح إلى أرواح منعَّمة وأرواح معذَّبة، ووفقَ رأي ابن عثيمين أنَّ الأرواح المنعَّمة غير المقيَّدة تتلاقي وتتزاور، إضافة إلى تذكُّر أحداث الدنيا فيما بينهم، وقد جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيَّاً عَنْكِ، إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحاً بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ، ويَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ.
تدلُّ أحاديث أخرى على أنَّ أرواح الموتى تتلاقى في البرزخ، وهذا ما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما وصحَّحه الألباني من حديث طويل في بيان قبض الأرواح جاء فيه، فيأتون به أرواح المؤمنين – يعني الذين ماتوا قبله – فلهم أشدُّ فرحاً من أحدكم بغائبه يُقدَم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون دعوه فإنَّه كان في غمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمه الهاوية.
ماذا يفعل الإنسان في حياة البرزخ؟
سبق لنا أن تعرَّفنا أنَّ حياة البرزخ هي المرحلة المتوسِّطة التي تكون بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وتبدأ حياة البرزخ من اللحظة التي تُقبض بها روح الإنسان وتنتهي مع قيام الساعة وبعث الأموات من جديد، لكنَّ تفاصيل ما يحدث في الحياة البرزخية تعدُّ من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلَّا الله عز وجل، ولكن توجد بعض الدلائل الشرعية من القرآن والسُّنَّة النبوية تعطينا صورة عن الحياة البرزخية.
تدلُّ بعض النصوص الشرعية على أنَّ هذه الحياة تبدأ عند قبض الأرواح، ثمَّ العروج بها إلى السماء، ثمَّ القبر وما فيه من أحداث، مثل ضمَّة القبر وسؤال الملَكَين الذي يحدِّد مصير الإنسان النهائي، فإن كان المرء صالحاً تبشِّره الملائكة بمقعده في الجنَّة ويوسع له في قبره، وإن كان غير صالح والعياذ بالله رأى مقعده في النار، ويضيق عليه قبره، واشتعل عليه ناراً، فيصيبه الغم وتستمر هذه الحالة، فالصالح ينعم في نعيمه والطالح على حاله من العذاب إلى يوم يبعث الله الخلائق ليوم لا ريب فيه.
شاهد بالفيديو: 6 نصائح لتتجاوز وفاة شخص عزيز عليك
أحاديث نبوية شريفة عن حياة البرزخ وعذاب القبر ونعيمه
توجد كثير من الأحاديث النبوية التي ذكرها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي تتحدَّث عن حياة البرزخ بما تحويه من عذاب القبر ونعيمه، فيمكن ذكر بعض الأحاديث ومنها:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً"، قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ، وقَالَ: "وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ".
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا بِأَقْبُرٍ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، فَقَالَ: "مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟" فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: "فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟" قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشْرَاكِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ" ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ" قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ" قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ".
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنه رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَت: "نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: "عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ".
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَمَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتاً، فَقَالَ: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا".
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ" ثُمَّ قَالَ: "بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُوداً رَطِباً، فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".
إيماننا بحياة البرزخ واجب ديني ومسؤولية إيمانية
هناك كثير من الذين لا يؤمنون بالحياة البرزخية؛ بل وينكرونه أساساً، وذلك بحجَّة أنَّ حياة البرزخ تتنافى ورحمة الله تعالى، ولكن وردَ في كتاب الله آيات بيِّنات عن وجود البرزخ من دون أدنى شك، وجاءَ في الآية رقم 99 و100 من سورة "المؤمنون" قول الله تعالى: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" صدق الله العظيم.
لأنَّنا نؤمن بقول الله تعالى وانطلاقاً من صدقِ كلام الله، فإنَّ الإيمان بحياة البرزخ بوصفه حقيقةً قائمة هو واجب ديني ومسؤولية إيمانية يعزِّز بها المرء إيمانه.
في الختام
إنَّ حياة البرزخ تظلُّ من الأمور الغامضة والغيبية التي لا يعلمها إلَّا الله تعالى، والتي يعيش بها الإنسان بين الدنيا والآخرة، وتعدُّ حياة البرزخ مرحلة انتقالية يعيشها المرء من بعد الموت إلى يوم القيامة، وعلى الإنسان الإيمان بهذه الحياة، وذلك استناداً إلى ما وردَ في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية الشريفة، ويتطلَّب من كلِّ فرد منَّا الاستعداد لحياة البرزخ من خلال القيام بأعمال الخير والتقوى والتوبة والاستغفار، ولنعِش حياتنا بتوجُّهٍ إيماني صافٍ، ولنعمل بجدٍّ لتحقيق الخير في أعمالنا، ولنتذكَّر دوماً أنَّ حياتنا هنا هي مجرد محطَّة في طريقنا إلى الآخرة، فتنتظرنا حياة جديدة في البرزخ قبل يوم القيامة.