الوحدة المزمنة: أسبابها وطرائق التغلب عليها
هل تشعر وكأنّك تعيش وحيداً بالرغم من كثرة الناس من حولك؟ هل تعلم أنك لست الوحيد الذي تشعر بالوحدة في هذا العالم المتصل بشدة؟
على الرغم من سهولة التواصل وكثرة الازدحام في عصرنا الحالي، إلا أنّ الوحدة وباء هذا العصر وللأسف تترك كثيراً من التأثيرات في الفرد والمجتمع عامةً.
سنتحدّث في مقالنا عن أبرز أنواع الوحدة المزمنة. تابع القراءة لتعرف الأسباب وطرائق التغلب عليها.
ما هي الوحدة وما أنواعها؟
الوحدة ليست الانعزال الجسدي عن العالم كما يعتقد بعض الناس، بل هي حالة نفسية معقدة نوعاً ما؛ إذ تتأثّر بعديدٍ من العوامل المحيطة وتؤدي للكثير من المشاعر والأفكار السلبية مثل الاكتئاب والقلق وعدم احترام الذات وتؤثر في قدرة الفرد على التواصل مع المجتمع من حوله. تشمل أنواعها ما يلي:
1. الوحدة الاجتماعية
هي انفصال الفرد عن مجتمع ينتمي إليه ربما نتيجة الانتقال إلى مكان جديد أو بسبب عدم قدرته على بناء علاقات قوية.
2. الوحدة العاطفية
هي الشعور بفراغ عاطفي ناتج عن عدم وجود شخص يشارك الفرد مشاعره وأفكاره أو بسبب صعوبة التعبير عن المشاعر فيفشل في الاستمرار بعلاقاته العاطفية.
3. الوحدة الوجودية
وهي عدم الشعور بوجود هدف للحياة بسبب أزمات في الهوية وانتماء الفرد للعالم.
4. الوحدة المزمنة
وهي حديث مقالنا اليوم وسنتحدث عن كل ما يتعلق بها لاحقاً.
ما هي الوحدة المزمنة وما آثارها؟
هي حالة من الوحدة يشعر بها الفرد لفترة طويلة وتشمل الانعزال عن الآخرين حتى عندما يكون محاطاً بهم ولها تأثيرات جسيمة في الفرد والمجتمع، وأبرزها ما يلي:
1. تراجع الصحة النفسية
تؤدي الوحدة المزمنة لزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق والتوتر وتفاقم الحالات النفسية السلبية الأخرى مثل الاضطرابات في الأكل والنوم والاضطرابات الوسواسية القهرية.
2. تراجع الصحة الجسدية
إنّ أهم أعراض الوحدة المزمنة هي قلة النشاط البدني، بالتالي ضعف الصحة. ويكون ذلك نتيجة اتباع نظام غذائي غير متوازن، مما يزيد الوزن أو ينقصه، بالإضافة إلى الشعور بآلام مختلفة في الجسم.
3. السلوكيات المدمرة
يلجأ بعض الناس إلى تعاطي الكحول أو المخدرات، أو إلى الانسحاب الاجتماعي التام، ليتخلص من ذلك الشعور ضمن الازدحام؛ بالتالي، تزداد في المجتمع الجرائم والمخالفات.
4. صعوبة بناء العلاقات
مع مرور الوقت، تصبح دائرة الفرد – ممن يعاني من الوحدة المزمنة – ضيّقةً جداً نتيجةً لصعوبة بناء العلاقات وتقويتها، مما يؤدي إلى تدهور النسيج الاجتماعي.
5. تراجع الأداء الوظيفي والأكاديمي
نتيجة قلّة القدرة على التركيز والانتباه، وبذل الجهد للنجاح والتميز. كما أنّ انخفاض إنتاجية الفرد، ينعكس سلباً على اقتصاد المجتمعات.
شاهد بالفيديو: كيف تتغلَّب على الخوف من الوحدة؟
أسباب الوحدة المزمنة
تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى حالة الوحدة المزمنة. إليك أبرز تلك الأسباب:
1. العوامل الاجتماعية
تُعد من أهم أسباب هذه الحالة، وأهمّها العوامل التالية:
1.1. ضعف العلاقات الاجتماعية
إن لم يمتلك الفرد علاقات قوية وعميقة مع عائلته وأصدقائه فإنّ تلك العلاقات لا تلبي حاجة الإنسان الاجتماعية والعاطفية من الدعم.
2.1. العزلة الاجتماعية
عدم وجود أنشطة وتعامل مع المجتمع المحيط يتسبب بالعزلة بالتالي الشعور بالوحدة.
3.1. التغيرات الاجتماعية
وتشمل فقدان أحد أفراد العائلة، أو السفر بعيداً عنهم، أو فقدان صديق مقرّب، أو الانتقال لمكان جديد، وخاصةً عند الانتقال إلى مجتمعات فردية في المدن الكبيرة، أو المعاناة من حاجز اللغة عند الهجرة.
4.1. التحيُّز
نتيجة العرق، أو الدين، أو الجنس، أو غيرها من الاختلافات التي تسبب التحيُّز في بعض المجتمعات.
5.1. الظروف الاجتماعية
مثل الفقر والبطالة.
2. العوامل النفسية
تؤدي دوراً حاسماً في وصول الفرد للوحدة المزمنة وتفاقمها. إليك أبرز هذه العوامل:
1.2. قلة احترام الذات
تتسبب بالشعور بعدم القيمة والكفاءة، فيتجنّب العلاقات الاجتماعية خوفاً من فشلها.
2.2. الانطوائية
تجعل تفاعل الفرد محدوداً مع الآخرين، مما يحدّ من تقوية العلاقات الاجتماعية وامتلاك محيط واسع.
3.2. القلق والتوتر
تتسبب المشاعر بالخوف في المواقف الاجتماعية الجديدة، والظروف المفاجئة، والازدحام.
4.2. الاكتئاب
يُعد من أهم أسباب الوحدة المزمنة؛ إذ يشعر الفرد بفقدان الشغف والاهتمام بالأنشطة الاجتماعية والعمل والعلاقات.
5.2. اضطرابات شخصية
مثل اضطراب الشخصية الحدّية أو الاجتنابية.
6.2. صعوبة التعبير عن المشاعر
تتسبب بعدم استمرار العلاقات ورفض الآخرين نتيجة صعوبة الفهم والتفاهم.
3. العوامل البيولوجية
تؤثر مباشرةً في المزاج والرغبة ببناء علاقات اجتماعية. أهمها ما يلي:
1.3. الناقلات العصبية
مثل الدوبامين المرتبط بالشعور بالمتعة؛ إذ يسبب انخفاضه الملل؛ أيضاً، السيروتونين المرتبط بالمزاج الجيد، والشهية، والنوم المستقر، إضافةً إلى الأكسيتوسين الذي يؤثر نقصه في بناء العلاقات الوثيقة.
2.3. الهرمونات
يقلل الارتفاع المزمن للكورتيزول من الرغبة بالتفاعل الاجتماعي، كما تؤثر هرمونات الغدة الدرقية في المزاج والطاقة؛ إذ يؤدي اختلالها للاكتئاب.
3.3. الوراثة
بعد الدراسات تشير إلى وجود مكون وراثي يؤدي للوحدة المزمنة.
4.3. الأمراض الجسدية
مثل السكري، وأمراض القلب، والأمراض العصبية (كالزهايمر والسرطان)؛ إذ إنّ الآثار الجانبية للعلاج، وتغيُّر نمط الحياة، يؤثر في الحالة النفسية عموماً.
كيفية التغلب على الوحدة المزمنة
توجد عديدٌ من الطرائق المساعدة على التغلب على الوحدة المزمنة وتحسين نوعية الحياة عامةً. إليك أهم تلك الطرائق:
1. بناء علاقات قوية
إحدى أهم الأدوات القادرة على مكافحة الوحدة بأشكالها المختلفة؛ لكونها تعزز الشعور بالانتماء، وتمنح الإنسان دعم عاطفي وشعور بالأهمية. ويمكن بناء العلاقة المتينة من خلال ما يلي:
1.1. الانضمام إلى مجموعات
يمكنك تشكيل مجموعات مع أشخاص تجمعك بهم هواية مشتركة أو عمل واحد أو ثقافة واحدة؛ بحيث تجلس مع أشخاص قادرين على فهم جانب معين من شخصيتك وهي اللبنة الأولى لبناء علاقات جديدة.
2.1. التطوُّع
إنّ العمل التطوعي مع الجمعيات الخيرية والإنسانية والفرق التي تسعى لتحسين المجتمع، يمنحك الشعور بالثقة بالنفس بأنّك قادر على مساعدة الآخرين وتحسين حياتهم مما يجعل للحياة معنى بنظرك.
3.1. المشاركة في الأنشطة الاجتماعية
حاول أن تحضر الفعاليات المحلية بمناسبة الأعياد مثلاً وحضور حفلات الزفاف التي تُدعى لها المناسبات الاجتماعية المختلفة.
4.1. تعميق العلاقات
يكون بالاهتمام بالأصدقاء والعائلة، والسؤال عن أحوالهم دائماً، ومشاركتهم الأحزان والأفراح؛ فلا تنتظر المبادرة، بل بادر أنت. لا يمكننا التأكيد لك بأنّك ستنجح في تلك العلاقات على اختلافها، لكنّك ستحصل على علاقات جيدة ومتينة بالتواصل المنتظم.
شاهد بالفيديو: كيف تتخلص من الشعور بالوحدة؟
2. العناية بالنفس
تعزز الشعور بالرضا عن الذات مما يجعل الإنسان أكثر قدرةً على الانخراط بالمجتمع، والتخلص من الوحدة المزمنة. فيما يلي، مجموعة نقاط مساعدة:
1.2. استراتيجيات تحسين المزاج
- ممارسة الرياضة بانتظام بتخصيص ساعة يومياً للمشي في الهواء الطلق فالطبيعة تساعد على تهدئة العقل أو التسجيل في النادي الرياضي بالإضافة إلى الاعتماد على تمارين الاسترخاء واليوجا مما يحسن من المزاج، ويقلل الاكتئاب والمشاعر السلبية عامةً.
- التغذية الصحية؛ إذ تحسّن الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية، التي يحتاجها الجسم، المزاج وترفع الطاقة الإيجابية. مثلاً، تساعد الأطعمة الغنية بالبروتينات على إفراز السيروتونين، كما تساعد الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة (كالتوت الأزرق، والتفاح، والخوخ، والبطاطا الحلوة) على التخلص من المشاعر السلبية كالقلق والاكتئاب.
- النوم الكافي؛ فمن الضروري الحصول على قسط كافٍ من النوم يومياً لتحسين التركيز وتجديد الطاقة؛ بحيث تنام لمدة لا تقل عن 7 ساعات ليلاً، فتصبح أكثر استعداداً في اليوم التالي للتفاعل الاجتماعي.
2.2. تعزيز الثقة بالنفس
إنّ الشكل الخارجي للإنسان له تأثير عميق في حالته النفسية؛ لذلك، لا تهمل شعرك، ونظافتك، وملابسك؛ واحرص على الخروج بمظهر أنيق. حيث يؤكد علم النفس على أنّ الشكل الخارجي له دور في الحصول على علاقات جيدة؛ لأنّه يعطي الآخرين نظرةً بأنّك واثق من نفسك، فتأسر قلوبهم منذ اللحظة الأولى، ولاحقاً، تعزز العلاقات معهم.
وإن كنت تعتقد أنّ الاهتمام بالداخل يكفي فأنت مخطئ؛ لأنّنا نعيش في عالم يحترم الترتيب الخارجي كثيراً، بقدر ما يحترم الترتيب والأناقة الداخلية. لذا من الضروري أيضاً أن تقنع نفسك بأنّك تمتلك مميزات وأهمية في جانب معين، من خلال تعلم مهارات جديدة باستمرار لتشعر بالإنجاز، وممارسة الهوايات بتخصيص بعض الوقت يومياً أو عدة ساعات أسبوعياً لتمارس بنشاطاً خاصاً بك، فيقل الشعور بالملل، وتشعر بالتحسن والثقة العالية بالنفس.
3. العلاج النفسي
في حال حاولت الالتزام بالنقاط السابقة، ولكنّك لم تجد النتيجة التي تريدها أو لم تتمكن من متابعة الخطة التي رسمتها، فالأفضل الاستعانة في هذه الفترة بمعالج أو طبيب نفسي لتحديد الأفكار السلبية ومساعدتك في تحويلها لأفكار أكثر إيجابيةً، وتقديم الدعم الذي تحتاجه لمواجهة التحديات وتعزيز الثقة بالنفس.
ويُفضّل أن تخبر شخصاً ممّن تثق بهم ليقدم لك الدعم المعنوي، ربما بمرافقتك إلى الطبيب النفسي أو بمشاركتك بالخطة التي وضعها للتغلب على حالة الوحدة؛ فجميعنا بحاجة للمشاعر والدعم الإيجابي من الآخرين لنستمر في مواجهة الظروف السيئة.
في الختام
تُعد الوحدة المزمنة صورةً من صور الوحدة التي يشعر بها الفرد باستمرار نتيجة عوامل اجتماعية، أو نفسية، أو وراثية.
تحدثنا عن تلك الصور مفصّلاً في مقالنا، كما قدّمنا مجموعة استراتيجيات تساعد على التخلص من الوحدة المزمنة، مثل بناء العلاقات القوية، والعناية بالنفس بممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي، وكذلك، تعلّم المهارات الجديدة ومن الجيد الاستعانة بمعالج لتخطي هذه المرحلة إن لم تتمكن من تخطيها بمفردك.