كيفية إنشاء شركة استشارات في التصميم التنظيمي تناسب القرن الحادي والعشرين
كنتُ أبحث عن شركة استشارية مثل "أندركورينت" (Undercurrent) لسنوات، وقد اكتشفتها منذ نحو عام، وسعيت للانضمام إليها لمدة 8 أشهر، ثم عملت بها 3 أسابيع فقط. ومنذ فشلها وأنا أفكر في مقومات شركات استشارات التصميم التنظيمي المؤثرة القادمة في القرن الحادي والعشرين.
ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن المدوِّن "سام سبارلين" (Sam Spurlin)، ويحدثنا فيه عن كيفية إنشاء شركة استشارات في التصميم التنظيمي تناسب القرن الحادي والعشرين.
لم تكن شركة "أندركورينت" مثالية، لكنَّها كانت تتَّبع نهجاً جديداً وجريئاً، ونجحت في كثير من الجوانب. أما الآن، فهناك فجوة ضخمة في السوق يجب أن تشغلها شركة تُعيد تعريف معنى الاستشارات في مجال التصميم التنظيمي. ومع الحالة الراهنة للسوق، هذه هي رؤيتي –وربما رأيي الجريء– حول ما يجب أن تركز عليه الشركة التي تطمح لأن تكون الاسم الكبير القادم في هذا المجال.
الأهداف
تتولى شركات استشارات التصميم التنظيمي في القرن الحادي والعشرين مهمة مساعدة المؤسسات في التعامل مع التقلبات والتغيرات المتسارعة والمفاجئة في العالم؛ فالشركات اليوم تعتمد اعتماداً متزايداً على الأفراد الموهوبين والمبدعين، والمدرَّبين تدريباً عالياً، وهم أشخاص لديهم خيارات وظيفية كثيرة، وتوقعات متزايدة بأن يُمنحوا فرصاً لأداء عمل هادف.
يجب أن تكون هذه الشركات شبكات مرنة، وتركز على تطوير كوادرها، لا أن تبقى هرمية هشة تُدار من الأعلى إلى الأسفل. كما ينبغي أن تكون قادرة على التصرف بسرعة، وأن تحفز موظفيها الموهوبين على البقاء، وتوفر لهم بيئة تمكِّنهم من توظيف طاقتهم الإبداعية الكاملة لمواجهة التحديات الجريئة في أعمالهم.
أظنّ أنَّنا بلغنا حدود ما يمكن أن تحققه إعادة الهيكلة التنظيمية التقليدية؛ ففي الشركات التي تنتج منتجات مادية وتنقلها، يمكن أن تحقق الكفاءة أرباحاً كبيرة من خلال إعادة التنظيم. لكن في عالم قائم على العمل المعرفي، تكمن الميزة التنافسية الحقيقية في أفكار الموظفين، وفي القدرة على تنفيذ هذه الأفكار بسرعة.
ما نشهده اليوم من نمو في مبادئ التنظيم الذاتي في عديد من الشركات ما هو إلا بدايات تحول جذري قادم.
شاهد بالفيديو: 8 طرق لتحسين التعاون بين أقسام الشركة
كيفية التهيؤ لهذا التحول
كيف نتخلص من البيروقراطية لكي يشعر الموظف المتحمس أنَّ المنظمة موجودة لدعم أفكاره الإبداعية، وليس لكبتها بالأعمال الإدارية؟ وكيف نُرسي بيئة عمل ترفع سوية الأداء، ليس خوفاً من العقاب أو رغبة بالجوائز؛ بل بدافع داخلي بتقديم عمل مفيد في بيئة داعمة؟ وكيف نؤسس ثقافة تشجع الموظفين على إتقان عملهم، والتوفيق بين التطور الشخصي والمهني؟ وكيف نحافظ على الأرباح لضمان استمرار الشركة؟
يجب أن تنتقي شركة التصميم التنظيمي في القرن الحادي والعشرين نوعية الشركات التي تتعامل معها بحكمة، فالشركة التي تتقن هذا النهج لن تكتفي بالتعاون مع الشركات التي "تفهم طبيعة العمل"، بل ستقدر على توعية الشركات المترددة وإقناعها بالتحول نحو أساليب عمل أكثر مرونة، وإنسانية، وفعالية.
قد يبدو هذا الكلام عاطفياً أكثر مما يجب، لكنَّني أكتبه واضعاً الربحية في الحسبان؛ إذ لا يمكن أن تزدهر الشركات إذا كانت أجزاؤها الداخلية مقيَّدة أو متضررة، بل يجب أن تكون سليمة لتتمكن من التعامل مع بيئتها.
يجب أن يهتم التصميم التنظيمي في هذا العصر برعاية كيانات الشركة من الداخل، ومساعدتها في التعامل مع عالم دائم التغير.

النهج المتَّبَع
ينبغي أن تعمل شركة التصميم التنظيمي في القرن الحادي والعشرين بوعي على معالجة مجموعة من التناقضات في هيكليتها الداخلية، وفي تعاملاتها مع العملاء.
1. الرؤية طويلة الأمد مقابل التركيز قصير الأمد
كيف يمكن للشركة أن تتحرر من ضغوطات السوق التي تدفعها للتركيزعلى المكاسب الاقتصادية قصيرة الأمد، من أجل اتخاذ قرارات استراتيجية تضمن ازدهارها على الأمد الطويل؟ وكم من الشركات التي تزعم أنَّها تسعى لحل مشكلات ضخمة تنحرف عن مسارها عند اقتراب موعد تقارير الأرباح ربع السنوية؟
وفي الوقت نفسه، هل يمكن التوفيق بين الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد وعقلية التجريب المستمر والانطلاق في خطوات قصيرة الأمد نحو الهدف؟
2. قوة التوسع مقابل قوة الفرد
لقد مكنتنا البرمجيات من تحليل البيانات المعقدة على نطاق واسع في المجالات المختلفة، لكنَّ المؤسسات مكونة من الأفراد، فكيف يمكننا تقبُّل وفهم التوسع والبيانات، وفي الوقت ذاته احترام وتمكين الأفراد، سواء أكانوا موظفين أم زبائن؟
3. الاستجابة مقابل المبادرة
إلى أي حد يجب أن تكون المؤسسة قادرة على الاستجابة للعوامل الخارجية المتغيرة بسرعة؟ وإلى أي حد ينبغي لها التركيز على تشكيل البيئة التي تعمل فيها؟ وهل يمكن للمؤسسة أن تكون مستجيبة ومبادِرة في آنٍ معاً؟
4. الاعتماد على البيانات مقابل البُعد الإنساني
هل يمكن أن توفق المؤسسة بين الاعتماد على البيانات، والاهتمام بالعامل الإنساني؟ وإلى أي مدى يمكن (أو ينبغي) استخدام البيانات عندما نتحدث عن الأهداف، والتحفيز، والإلهام لدى البشر؟ وكيف يمكن للمؤسسة أن توظف البيانات في فهم الجوانب "الناعمة" لعلاقات العمل والثقافة التنظيمية؟
بعيداً عن التناقضات، هناك مجموعة من الأسئلة الأساسية التي يجب أن تكون في صميم عمل أي شركة استشارات تنظيمية تطمح لأن تكون رائدة في هذا العصر:
- إلى أي مدى يمكننا مساعدة المنظمات في تعزيز الموارد النفسية والإنسانية التي تمتلكها بالفعل، لمواجهة تحديات لم تظهر بَعد؟
- إلى أي مدى يمكننا مساعدة المؤسسات في التعرف على مكونات بيئتها مثل تفاعلات الفِرَق، والعوامل البيئية والثقافة، وضبطها ضبطاً منهجياً وشاملاً، لتحفيز تغيير إيجابي في طريقة عملها؟
- إلى أي مدى يمكننا تحديد الإشكاليات في المؤسسة، ثم تقديم حلول جذرية لإزالتها، لا مجرد معالجة الأعراض الثانوية؟
تتطلب هذه الرؤية نوعاً جديداً من التفكير في الاستشارات التنظيمية، يتجاوز البُنى والنماذج التقليدية، ويتعامل مع المنظمات بوصفها كيانات ذكية، تبحث عن الهدف والمرونة والاستدامة.

الخدمات
ما الخدمات التي ستقدمها شركة التصميم التنظيمي في القرن الحادي والعشرين؟ وما الذي ستبيعه؟ وما الذي ستقدمه للعميل؟ وكيف سيتم تقييم التأثير؟
من المفترض أن تكون العلاقات مع العملاء فريدة ومصمَّمة خصيصاً، وتبدأ بمرحلة استكشاف وتحليل مفصَّل لفهم الواقع التنظيمي بكل تعقيداته. لكن، ما هي الخطوة التالية؟ إليك بعض الأفكار المحورية:
1. تقديم جلسات كوتشينغ حول أساليب العمل الجديدة
على مستوى الأفراد، من كبار التنفيذيين إلى الموظفين في الخطوط الأمامية، يمكن تقديم جلسات كوتشينغ فردية تركز على تبنِّي عادات وسلوكات عمل أكثر فعالية مثل: تقنيات مقاومة التسويف، واستراتيجيات القيادة الذاتية، وتنمية "رأس المال النفسي" (psychological capital) كالتفاؤل، والصمود، والكفاءة الذاتية.
تهدف هذه الإجراءات إلى مساعدة الأفراد في تطوير مهاراتهم المعرفية وسلوكات التأمل الذاتي التي تضمن تحسين العادات على الأمد الطويل، وحتى بعد انتهاء علاقة الكوتشينغ.
2. الاندماج الفعلي في الفِرَق والمؤسسات
يُرسَل المستشارون ليعملوا داخل الفِرَق، ويعايشوا الواقع اليومي للعمل، مما يتيح تقديم جلسات كوتشينغ أو ورش، وتوفير فهم دقيق وعميق لطريقة العمل الحقيقية في المنظمة. وعليه، يقدم المستشار توصيات دقيقة وبسيطة، ولكن ذات تأثير عالٍ.
لا تظهر معظم الإشكالات في الاستبيانات أو المقابلات؛ لأنَّها متجذّرة بصورة لا واعية في الثقافة اليومية للمؤسسة. وحده الاندماج المباشر يكشف هذه المشكلات الخفية، مما يتيح معالجتها بفعالية.
3. ربط الاستراتيجية بسلوكات قابلة للتطبيق
لا تُعد الاستشارات الاستراتيجية جديدةً، لكنَّ شركة القرن الحادي والعشرين ستذهب أبعد من مجرد وضع الاستراتيجيات، وتساعد القادة في تحويل الاستراتيجية إلى تغيير سلوكي ملموس، وتركز على السلوكات التي يجب أن تتغير، وتدعم القادة والفِرَق لممارستها عملياً.
4. التطوير التنظيمي
على الرغم من تركيز الشركة على الابتكار، يجب أن تتقن أيضاً عناصر التطوير التنظيمي التقليدية مثل: التوظيف، وإرساء الثقافة التنظيمية، والحوافز والتعويضات، وبرامج إعداد الموظفين، وتصميم مساحات العمل.
لكن، يكمن الفرق هنا في العمق: الاستناد إلى أحدث أبحاث علم النفس التنظيمي، وعلم الاجتماع الصناعي، وعلم النفس الصناعي، وانتقاء المعرفة الأكاديمية وتطبيقها تطبيقاً عملياً ودقيقاً على مشكلات المؤسسة الواقعية.

5. إعادة تصميم الهيكل التنظيمي
مع ظهور طرائق جديدة لتنظيم العمل، يجب أن تسهل الشركات الاستشارية في القرن الواحد والعشرين تبنِّي أساليب تنظيمية حديثة إذا كان ذلك ما يريده العميل، أو أنَّه أفضل نهج لتحسين المنظمة العميلة.
يمكن أن تشمل هذه الأساليب: مبادئ التنظيم الذاتي أو اعتماد أنظمة شاملة مثل: "هولاكراسي" (holacracy) أو "النقابات" في نموذج شركة "سبوتيفاي" (Spotify).
لا توجد منظومة واحدة تحل جميع المشكلات، ويجب على مستشاري تصميم البُنى التنظيمية في القرن الحادي والعشرين أن يساهموا في تعزيز فهمنا للسياقات التي تعمل فيها هذه الأنظمة (وهو مجال نفتقر إليه بشدة)، وكذلك تسهيل تطوير هذه الأنظمة بدقة في الوقت المناسب والوضع المناسب.
في الختام
لا توجد حالياً أي شركة استشارية تُقدِّم ما ذكرته أعلاه، حتى "أندركورينت" لم تصل إليه في أوجها. هناك بعض الشركات التي تحاول تطبيق أجزاء من هذا النموذج، لكن لا أحد حتى الآن قام بمحاولة جادة لدمجها ضمن رؤية متكاملة ومتماسكة.
الفرصة هنا هائلة وغير مسبوقة، فرصة لتقبل حالة عدم اليقين في هذا النوع الجديد من الاستشارات، وربما حتى لتحقيق الريادة المبكرة في هذا المجال الذي لا يزال يتشكل؛ لكنَّ هذا سيتطلب أشخاصاً لا يتمسكون بأساليب الاستشارات القديمة، ولا بمفاهيم تقليدية عن تصميم المنظمات، ولا يخشون الخروج من المألوف، بل يسعون بصدق إلى إعادة تعريف تصميم منظمة ناجحة ومرنة في القرن الحادي والعشرين.