دور القبول الذاتي في تحقيق النجاح والسعادة
"ما زال أمامك متَّسع من الوقت لتأدية رسالتك في الحياة". – الروائية "جورج إليوت" (George Eliot).
يواجه معظم الأفراد صعوبة بالغة في تقبُّل أنفسهم بسبب انتقادات الآخرين وأحكامهم السلبية، أو نتيجة التركيز على العيوب والأخطاء الشخصية، وتفترض بعض تقنيات التحفيز الخاطئة أنَّ الإنسان يجب أن يقسو على نفسه، ويمعن في انتقادها وتقريعها لكي يتقدَّم في حياته، وتؤدي هذه المفاهيم المغلوطة في حقيقة الأمر إلى تأخير الفرد وإعاقة تقدمه في حياته، ولا شكَّ أنَّك يجب أن تسعَى جاهداً لتطوير إمكاناتك، ولكن لا يمكنك أن تضغط على نفسك وتحملها فوق طاقتها في الوقت الحالي.
تتطوَّر شخصية الإنسان وتتحسَّن مهاراته مع مرور الوقت عندما يتقبَّل نفسه ويحبها دون شروط، ويجب أن يقيِّم الفرد إمكاناته بموضوعية وشفافية قبل أن يبدأ العمل على تحقيق أهدافه سواء كانت بدنية مثل تسلق قمة جبل، أم شخصية مثل تنمية الذات، وهذا يعني أنَّك يجب أن تحدِّد نقطة الانطلاق التي تمثِّل وضعك الحالي قبل أن تبدأ بإعداد خطة العمل اللازمة لتحقيق هدفك النهائي.
هذه الخطوة ضرورية، لأنَّها تساعدك على تقييم مستواك وقبول وضعك الحالي، وتحديد نقطة انطلاق تمكِّنك من المضي قدماً في العمل على تحقيق هدفك بسرعة وفاعلية، وتقتضي الخطوة الأولى للانطلاقة الصحية والمضمونة تحديد مستوى المهارات والإمكانات بشفافية وموضوعية، وقبول نتيجة التقييم برحابة صدر.
تقدير مستوى التقدُّم
يتسنَّى للإنسان أن يلاحظ مدى تطوره الشخصي ويدرك مقدار التقدُّم الذي أحرزه عندما يقيِّم وضعه الحالي بشفافية، وقد ثبتَ أنَّ هذا الوعي يسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وهذا يعني أنَّ الفرد يحدِّد مراحل تطوره الشخصي مع مرور الوقت، فتُمثِّل كل خطوة إنجازاً يحفِّزه ويدفعه للمضي قدماً إلى الأمام.
تبرز المشكلة عندما ينتقد الفرد نفسه ولا يرضى عن التقدم الذي أحرزه، ويستخف بوضعه الحالي، وهو ما يمنعه من تقدير الجهود التي بذلها حتى وصل لهذه المرحلة المتقدِّمة في حياته، وتنخفض فاعلية الجهود المبذولة عندما يفترض الفرد أنَّه متأخر عن مستوى التقدُّم الذي خطَّط لبلوغه في هذه المرحلة، ويعبِّر القبول الذاتي عن قدرة الفرد على التصالح مع نفسه بمحاسنها وعيوبها، وهو لا يدعو إلى إنكار العيوب أو ادِّعاء الكمال؛ بل إلى إدراك كلٍّ من نقاط القوة والضعف دون إصدار أحكام سلبية تنتقص من قيمة الجهد المبذول.
أي يجب أن تعترف بعيوبك، وتتقبلها، وتقدِّر الجهد الذي تبذله في حياتك، وتسوء أحوال الإنسان عندما ينتقد نفسه ويحبطها ويستخف بالتقدُّم الذي أحرزه، وقد تؤدي هذه السلبية إلى زيادة سخطه وغضبه من نفسه وتقويض ثقته بها، ويمكن أن تتزعزع ثقة الإنسان بنفسه ويخشى أن يبذل جهده في محاولاته المُقبِلة نتيجة موقفه السلبي تجاه ذاته.
شاهد بالفيديو: 8 طرق بسيطة لاكتساب تقدير الذات
العطف الذاتي
يشرح أستاذ علم النفس "رام داس" (Ram Das) أنَّه يحوِّل غضبه إلى شفقة وعطف عندما يتعامل مع شخص منغلق الذهن، ويقول في هذا الصدد: "أشعر بالأسى حيال هذا الشخص، ولا يسعني إلَّا أن أشفق على حاله وأعطف عليه فهو يعيش حياة محدودة بسبب ذهنه المنغلق"، وينبغي أن تنتبه لموقفك تجاه نفسك، فإذا شعرت أنَّك تفتقر للإمكانات والمؤهلات المطلوبة، ولا تحرز النتائج التي تطمح إليها، عندئذٍ عليك أن تعطف على نفسك وترحمها.
قد تظن أنَّ قدراتك ومهاراتك الحالية لا تؤهلك لتحقيق النجاح الذي تصبو إليه، وتشعر بالعجز، وفي هذه الحالة أيضاً عليك أن ترحم نفسك وتتفهم الصعوبات التي تواجهها.
العقلية الإيجابية
تؤدي ممارسة القبول الذاتي إلى تكوين عقلية إيجابية تصرف تفكيرك عن عيوبك وما ينقصك، وتدفعك للتركيز على إمكاناتك واتخاذ التدابير اللازمة لتنمية قدراتك وتحسين مؤهلاتك، ويؤدي التركيز على العيوب إلى إعاقة تطور الفرد ومنعه من تحسين إمكاناته وقدراته، وهذا لا يسهم في حل المشكلة؛ بل إنَّه يزيد من تعقيدها وصعوبتها.
يؤدي التركيز على العيوب إلى زيادة الضغط الواقع على عاتق الفرد؛ أي تصبح أمامه مشكلة جديدة يجب أن يتغلب عليها قبل أن يستأنف العمل على تحقيق أهدافه، وبالمقابل يسهم القبول الذاتي في تجنُّب هذه المشكلة، بمعنى أنَّ الفرد يكون مستعداً للعمل على تحقيق أهدافه وإحراز التقدُّم بسهولة وسرعة.
يساعد القبول الذاتي على تعزيز ثقة الفرد بنفسه، وبإمكاناته، وبقدرته على تحقيق أهدافه، وهذا يدفعه إلى قبول التحديات وخوض التجارب الجديدة والتخلص من الأفكار والمعتقدات التي كانت تقيِّده وتمنعه من إحراز التقدُّم في حياته، وتساعد هذه العقلية الجديدة على زيادة قدرة الفرد على النجاح والنمو.
عقلية النمو
ينجح الإنسان في حياته عندما يتقبَّل نفسه ويطور طريقة تفكيره؛ وذلك من خلال اعتماد مبادئ عقلية النمو، ويمكن أن تقلَّ ثقة الإنسان بنفسه عندما يعترف بعيوبه، وهنا يبرز السؤال الآتي: "كيف يمكنني أن أثق بنفسي رغم عيوبي؟"؛ فيمكن التغلب على هذه المشكلة من خلال تطبيق مبادئ عقلية النمو التي تقتضي اتخاذ التدابير اللازمة لتنمية القدرات والإمكانات الضعيفة، ويمكنك أن تتغلَّب على مشكلة العجز وصعوبة التقدُّم والانتقال للمرحلة المقبلة في حياتك من خلال تطبيق مبادئ عقلية النمو والقبول الذاتي، فعليك أن ترحم نفسك، وتحتفي بإنجازاتك مهما كانت متواضعة، وتتعلم من أخطائك دون أن تشغل بالك بها، وتضمن ممارسات العطف والقبول الذاتي عيش حياة مرضية وتحقيق مستقبل مشرق حافل بالنجاحات والإنجازات.