مشكلة المساءلة: لماذا يخشى القادة المساءلة؟ وكيف يمكنهم التغلب على ذلك؟

مشكلة المساءلة هي أنَّك ببساطة مضطر إلى أن تعيشها. يقول المؤلف "باتريك لينسيوني" (Patrick Lencioni): "بمجرد أن نحقِق الوضوح والالتزام، علينا أن نُحاسِب بعضنا على ما تعهَّدنا بالقيام به، وعلى معايير الأداء والسلوك العالية. على الرغم من أنَّ ذلك يبدو بسيطاً، إلَّا أنَّ معظم التنفيذيين، لا يحبون القيام به".



بالنسبة لعدد من الرؤساء التنفيذيين والمديرين وقادة الفرق، فإنَّ مجرد التفكير في مساءلة الآخرين على توقعات واضحة، وتقييم النتائج، والشفافية بشأن أدائهم الشخصي، أمر شاق وغير مريح.

ماذا تقول الإحصاءات؟

تشير رائدة الفكر "آن لوهر" (Anne Loehr) في دراستها حول أزمة المساءلة في القوى العاملة اليوم إلى الإحصاءات التالية:

  • لا يفهم %93 من الموظفين ما تحاول منظمتهم إنجازه من أجل مواءمته مع عملهم المخصص.
  • لا يحدد %85 من القادة بوضوح ما يجب أن يعمل عليه فريقهم، في حين أنَّ النسبة نفسها من الموظفين يرغبون بهذا الوضوح.
  • تصف %84 من القوى العاملة نفسها بأنَّها "تحاول وتفشل" أو "تتجنب" المساءلة، حتى عندما يعرف الموظفون ما يحتاج إلى الإصلاح.
  • يرى %80 من الأشخاص المساءلة نوعاً من العقاب.

على الرغم من أنَّ هذه الإحصاءات قد تبدو مُربِكة، إلَّا أنَّ القادة ليسوا وحدهم في مواجهة تحدي إرساء ثقافة المساءلة في مؤسساتهم؛ لهذا السبب، طُوِّر نموذج العناصر الخمسة للمساءلة القيادية لمعالجة هذه المشكلة، ومواءمة كلٍّ من الفرق والأفراد في أقسام الشركة، وهي:

  1. الهدف العام.
  2. التوقعات الواضحة.
  3. التواصل والتوافق.
  4. الكوتشينغ والتعاون.
  5. النتائج.

شاهد بالفيديو: قوة المساءلة 6 خطوات لتحقيق أي هدف

لماذا يخشى القادة المساءلة فعلاً؟

يرى كثير من الأشخاص المساءلة بوصفها نوعاً من العقاب وأنَّ القادة يجدونها "شاقة وغير مريحة". لكن لماذا هذا الخوف متجذر بعمق؟ يمكننا تفصيل الأسباب النفسية والعملية التي تجعل القادة يتجنبون المواجهة:

  1. الخوف من الصراع (Conflict Aversion): يفضل معظم الناس الانسجام. تتطلب المساءلة إجراء محادثات صعبة قد تؤدي إلى توتر أو ردود فعل دفاعية أو حتى غضب. يختار عدد من القادة "السلام" قصير الأمد على حساب الأداء طويل الأمد.
  2. الرغبة في أن يكونوا "محبوبين": هناك خلط شائع بين القيادة والصداقة. يخشى القادة أنهم إذا حاسبوا أعضاء فريقهم بصرامة، فسيفقدون شعبيتهم أو يُنظر إليهم على أنهم "المدير الشرير". إنهم يعطون الأولوية للعلاقات الاجتماعية على النتائج.
  3. متلازمة المحتال (Impostor Syndrome): يتجنب القادة أحياناً مساءلة الآخرين؛ لأنهم يخشون أنهم هم أنفسهم لا يُرقَّون إلى المستوى المطلوب. قد يفكرون، "من أنا لأحاسب شخصاً آخر على معايير قد لا أكون مثالياً فيها؟".
  4. الخوف من رد الفعل العكسي (Fear of Pushback): ماذا لو كان الموظف على حق؟ ماذا لو فشل القائد في توفير الموارد اللازمة؟ أحياناً يكون تجنب المساءلة وسيلة لتجنب المساءلة الذاتية للقائد.
  5. الافتقار إلى التدريب: كثير من القادة يُرقَّون بسبب كفاءتهم الفنية، وليس بسبب مهاراتهم في إدارة الأفراد. إنهم ببساطة لا يعرفون كيف يجرون محادثة مساءلة بنَّاءة ومحترمة.

المساءلة لدى القادة

المساءلة مقابل اللوم: التمييز الجوهري لبناء الثقافة الصحيحة

أحد الأسباب الرئيسة لفشل المساءلة هو الخلط بينها وبين "اللوم"، كما تشير الإحصائية (80% يرونها عقاباً). يجب على القادة فهم الفرق وتوصيله بوضوح:

  • اللوم (Blame): يركز على الماضي. هدفه هو تحديد "من المخطئ" ومعاقبته. إنَّه يخلق ثقافة الخوف، فيخفي الموظفون الأخطاء ويلقون باللوم على بعضهم بعضاً. اللوم مدمر للثقة.
  • المساءلة (Accountability): تركز على المستقبل. هدفها هو "امتلاك" النتائج (سواء كانت جيدة أم سيئة) والتعلم منها لحل المشكلة. إنها تدور حول "ماذا يمكننا أن نفعل فعلاً مختلفاً للمضي قدماً؟". المساءلة البنَّاءة تبني الثقة والملكية.

عندما يفشل مشروع ما، فإنَّ ثقافة اللوم، تبحث عن كبش فداء. أمَّا ثقافة المساءلة، فتجمع الفريق لتحليل الأسباب الجذرية (دون توجيه أصابع الاتهام) وتعديل الخطة. يبدأ هذا التحول عندما يطبق القائد المساءلة على نفسه أولاً، معترفاً بأخطائه بشفافية.

أمثلة من العالم

تكشف الأمثلة التالية من العالم الواقعي حول المساءلة، والمأخوذة من مجموعة متنوعة من الأسواق التأثير المحتمل للالتزام بالمساءلة وتحقيق فوائدها في كلٍّ من الفريق والمؤسسة.

السوق: البرمجيات والتكنولوجيا

  • التحدي: كانت الأقسام تعمل بجد كبير لتحقيق أهدافها في مجالات إيرادات المبيعات وتطوير البيانات العلمية. لكن عند مشاركة النتائج، اتضح أنَّ الجهود والموارد ليس متوافقة، مما ولَّد أزمة، ومنع تحقيق الأهداف، وكشف عن سوء توزيع الموارد.
  • التغيير: وضعَ الرئيس التنفيذي بالتعاون مع رؤساء الأقسام معايير واضحة للنجاح تتعلق بأهداف كل من فريق المبيعات وفريق البحث العلمي، لكي يفهم كل قسم المطلوب منه، وكيفية القيام به، ومن المتأثر أو المستفيد في الأقسام الأخرى.
  • النتيجة: عززت التقارير والاجتماعات الأسبوعية التحول من تنافس الأقسام على الموارد إلى التعاون ودعم بعضهم لتحقيق الأهداف ربع السنوية والسنوية للشركة.
  • دور نموذج العناصر الخمسة: التوقعات الواضحة والتواصل والمواءمة؛ إذ حدَّد الرئيس التنفيذي جاهداً التوقعات بدقة، ونسق مع القيادة للتركيز وتوحيد جهود الأطراف المعنية.

المساءلة لدى القادة

السوق: التجزئة والسيارات

  • التحدي: أدى التوسع السريع من خلال الاستحواذ إلى تحديات ثقافية بسبب انضمام عدد كبير من الموظفين الجدد الذين كان لا بد من ربطهم بالأهداف والقِيَم الجوهرية للشركة.
  • التغيير: وضعت القيادة التنفيذية إطاراً لتحليل الشركات المستحوذ عليها في وقت مبكر من عملية الاستحواذ، وأنشأت برنامج تدريب يوضح أهمية الهدف المشترك، ولماذا تهم كلَّاً من الزبائن والموظفين. (أسلوب بسيط: نائب الرئيس للعمليات كان يمرُّ على كل شخص في المتجر الجديد ويعطيه ورقة نقدية بقيمة 20 دولاراً إذا ذكرَ القِيَم الجوهرية للشركة).
  • النتيجة: تحسُّن ثابت في مؤشرات رضى العملاء (Net Promoter Scores) لدى الفروع الجديدة مع الحفاظ على مستويات قوية في المواقع القائمة.
  • دور نموذج العناصر الخمسة: الهدف المشترك؛ إذ ربطت القيادة التنفيذية باستمرار "السبب" المخصص بالشركة بكل عضو في الفريق، مما جعلهم مسؤولين تجاه هدف أكبر من أنفسهم.

السوق: الرعاية الصحية والخدمات

  • التحدي: إنشاء منصب جديد على مستوى القيادة التنفيذية وإضافة هذا الشخص إلى الفريق الإداري القائم من أجل تطوير وتحسين التعاقدات مع شركات التأمين الصحي التجارية. لم يتقبل الفريق القائم إضافة هذا المنصب الجديد، وكان يتحدى باستمرار هذا الشخص ونتائجه.
  • التغيير: جرى تحسين وتوضيح التوقعات المخصصة بالمنصب الجديد بالإضافة إلى معايير الأداء على المستويين العام (السنوي) والتفصيلي (الأسبوعي)، كما أُنشِئت لوحة مؤشرات لتتبع النجاحات والإخفاقات، وتشجيع التحدث بصراحة عن التحديات، وتحسين الموارد لتجاوز العقبات.
  • النتيجة: مكَّن هذا كل عضو في الفريق التنفيذي من فهم ما يُنجَز، وتقديم التغذية الراجعة حول التحسينات الممكنة، وعرض الدعم والمساعدة، وكذلك الاحتفاء بالتقدم المُحرَز.
  • دور نموذج العناصر الخمسة: التعاون والنتائج؛ إذ استخدم الرئيس التنفيذي ونواب الرؤساء التعاون للتحول من "نقَّاد" إلى "كوتشز". حوَّل توضيح النتائج والعواقب التحدي من كونه متعلقاً بـ"إصلاح الشخص" إلى "حل المشكلة".
إقرأ أيضاً: شريك المساءلة: من هو؟ وكيف تعثر عليه؟ وماذا تستفيد منه؟

في الختام

إنَّ العناصر الخمسة للمساءلة في الفريق هي إطار مُجرَّب يمكِّن الشركة من تجاوز الصعوبات وتحقيق النجاح، وذلك من خلال إرساء ثقافة قائمة على المساءلة وبناء أساس قوي للمستقبل.

أسئلة شائعة حول تطبيق المساءلة

1. كيف أطبِّق المساءلة في فريق معتاد على التساهل؟

ابدأ بنفسك. التزِم بالمساءلة واعترف بشفافية بأوجه تقصيرك. بعد ذلك، ابدأ بالعنصر رقم 2: "التوقعات الواضحة". لا تُصلِح كل شيء مرة واحدة. اختر هدفاً واحداً هاماً، وحدِّد توقعات واضحة حوله، وتابِع بانتظام.

2. ماذا لو اتخذ الموظف موقفاً دفاعياً عندما أسائِله؟

هذا متوقع، خصيصاً إذا كان الموظف يخلط بين المساءلة واللوم. اهدأ وركِّز على السلوك أو النتيجة، وليس على الشخص. استخدِم "الكوتشينغ والتعاون". قل شيئاً مثل: "هدفي هنا ليس توجيه اللوم؛ بل فهم المشكلة وإيجاد حل. دعنا نراجع التوقعات التي اتفقنا عليها ونرى أين حدث الانفصال".

إقرأ أيضاً: أهمية المساءلة المالية في الشركات

3. هل تقتصر المساءلة على القائد (من أعلى إلى أسفل)؟

لا. الهدف النهائي هو خلق "مساءلة الأقران" (Peer-to-Peer Accountability)، فيشعر أعضاء الفريق بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضاً. هذا ما حدث في مثال "البرمجيات" عندما تحول الفريق من "تنافس الأقسام" إلى "التعاون". عندما يكون "الهدف العام" واضحاً وقوياً، يستعد الزملاء لإجراء محادثات صعبة مع بعضهم بعضاً؛ لأنهم يسعون للهدف نفسه.

4. كيف أوازن بين المساءلة والمرونة/ التعاطف؟

المساءلة والتعاطف وجهان لعملة واحدة؛ إذ يؤدي التعاطف دون مساءلة إلى الفوضى وتفويت الأهداف، والمساءلة دون تعاطف تؤدي إلى الاستياء والإرهاق. القائد العظيم يقول: "أنا أهتم بك بوصفك شخصاً، وأيضاً أهتم بالتزامك بالمعايير العالية التي وضعناها معاً. دعنا نتحدث عن كيفية تحقيق كليهما".




مقالات مرتبطة