ترتيب مدن المملكة من حيث وفرة الوظائف وراتبها

إذا كنت تبحث عن عمل في المملكة وتتساءل أين تتركّز الفرص وأين تكون الرواتب أفضل، فأنت لست وحدك. هذا السؤال يشغل بال كثيرين، خاصة مع ما تشهده المملكة من تحوّل اقتصادي حقيقي في إطار رؤية 2030. والمدهش أن الأرقام الرسمية تكشف عن تفاوت صريح وواضح بين المناطق.



ما الذي تقوله البيانات الرسمية؟

رصدت الهيئة العامة للإحصاء في بياناتها الحديثة توزيع الوظائف في سوق العمل السعودي مع نهاية الربع الأول من عام 2025، حيث بلغ إجمالي الوظائف في المملكة نحو 12.798 مليون وظيفة. رقم ضخم بكل المقاييس، لكن توزيعه جغرافياً هو ما يستحق التأمل.

أولاً: الرياض — المحرّك الأكبر

استحوذت منطقة الرياض على النصيب الأكبر بنسبة 47.6%، أي ما يعادل حوالي 6.1 مليون وظيفة. بمعنى آخر، كل وظيفتين من كل أربع في المملكة موجودتان في الرياض. ويعود ذلك إلى اقتصادها النامي والطلب المتزايد المستمر على القوى العاملة، فضلاً عن كونها واحدة من أسرع المدن نمواً في العالم.

من يبحث عن وظائف الرياض يجد نفسه أمام سوق عمل حقيقي ومتنوع، يضم كبرى الشركات الحكومية والخاصة والمقرات الإقليمية للمؤسسات الدولية.

أما على صعيد الرواتب، فيبلغ متوسط رواتب موظفي الرياض نحو 16,200 ريال شهرياً، وهو الرقم الذي يقع في المنتصف بين شريحتين: 25% من الموظفين يقلّ راتبهم عن 11,700 ريال، بينما 75% منهم يتجاوز راتبهم هذا المستوى. وتكمن الفرص الأعلى في القطاعات التقنية والمالية والطاقة.

ثانياً: المنطقة الشرقية — عمق النفط والصناعة

جاءت المنطقة الشرقية في المرتبة الثانية بنسبة 18.7%، بما يقارب 2.4 مليون وظيفة. وهذا ليس مفاجئاً لمن يعرف أن المنطقة تحتضن أرامكو السعودية وعشرات الشركات البتروكيماوية والصناعية الكبرى في الجبيل وينبع والدمام والخبر. ويُعدّ التطور الصناعي فيها مصدراً لفرص عمل متنوعة، كما أن موقعها الاستراتيجي يجعلها نقطة اتصال بين مختلف مناطق المملكة.

الرواتب هنا تميل للارتفاع في القطاع النفطي والهندسي، حيث يمكن أن تصل رواتب المهندسين في قطاعات النفط والغاز إلى ما بين 15,000 و30,000 ريال شهرياً.

ثالثاً: مكة المكرمة — السياحة والتجارة والحج

حلّت منطقة مكة المكرمة في المرتبة الثالثة بنسبة 17.1%، بما يعادل حوالي 2.2 مليون وظيفة. وتُهيمن هنا قطاعات الضيافة والتجزئة والبناء، إذ تستوعب المنطقة ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً. جدة تحديداً تبرز كمركز تجاري وترفيهي نشط، يستقطب الكفاءات في الإعلام والتسويق والسياحة.

ولمن يفكّر في التقدم لفرص موجودة في هذا السوق، تجدر الإشارة إلى أن خيارات وظائف القطاع الجوي والخدمي تتمتع بمستويات تنافسية من حيث الراتب والمزايا.

المناطق الأخرى: حضور متنامٍ

جاءت القصيم في المرتبة الرابعة بنسبة 3.65% وما يعادل 468 ألف وظيفة، تلتها المدينة المنورة بنسبة 3.22% أي حوالي 412 ألف وظيفة، ثم منطقة عسير بنسبة 2.97% وما يعادل نحو 380 ألف وظيفة.

أما بقية المناطق مجتمعة فاستحوذت على نسبة 6.67% من إجمالي الوظائف، ما يعكس استمرار تركّز سوق العمل في المدن الكبرى. لكن هذا لا يعني غياب الفرص، فكل منطقة تمتلك طابعها الخاص؛ عسير قوية في التعليم والصحة والسياحة الجبلية، والقصيم تزدهر في الزراعة والتجارة والصناعات الغذائية.

الرواتب: ماذا تقول الأرقام؟

وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، يبلغ متوسط الدخل الفردي في القطاع الخاص السعودي نحو 9,890 ريالاً شهرياً. وتتفاوت الرواتب حسب القطاعات؛ ففي القطاع الحكومي يصل متوسط رواتب السعوديين إلى حوالي 10,784 ريالاً مدعوماً بالبدلات والمكافآت، بينما في القطاع الخاص يتراوح بين 5,300 و9,600 ريال حسب الدور الوظيفي والتخصص.

والمؤهل العلمي يصنع فارقاً حقيقياً، إذ يتقاضى حاملو الدكتوراه حوالي 29,800 ريال، بينما يصل متوسط رواتب حاملي البكالوريوس إلى 20,600 ريال.

هل هناك بديل لمن لم يجمع خبرة كافية بعد؟

بالتأكيد. يهدف برنامج التدريب على رأس العمل "تمهير" التابع لصندوق تنمية الموارد البشرية إلى تطوير مهارات خريجي الجامعات والمعاهد والكليات السعودية من حديثي التخرج، عبر تدريبهم في مؤسسات حكومية وشركات متميزة في القطاع الخاص لإكسابهم الخبرات اللازمة وتهيئتهم للمشاركة في سوق العمل. وبالمنطق ذاته، تُوفّر بعض الجهات برامج تدريب منتهي بالتوظيف تُعدّ بوابة ذكية للانطلاق في المسار المهني بدلاً من الانتظار

نقدر نقول

المشهد واضح: الرياض تقود وتُهيمن، والمنطقة الشرقية ومكة تُكمّلان المنظومة، والمناطق الأخرى تنمو وإن بوتيرة أبطأ. هذا التوزيع يأتي في إطار التحولات التي يشهدها سوق العمل السعودي، تماشياً مع أهداف رؤية 2030 والتوسع في المشاريع التنموية الكبرى.

الباحث عن عمل اليوم يملك خيارات حقيقية، لكنه يحتاج إلى أن يعرف أين يقف، وأي مدينة تناسب طموحه ومساره، وأي قطاع يمنحه أفضل عائد لما يحمله من مهارات.




مقالات مرتبطة