استقالة الآباء تربويا!

 

الاسرة هي المحضن الاول للطفل, يؤسر في داخلها لا لذات الأسر وإنما ليتلقى ما يحتاجه من غذاء تربوي ورعاية صحية, والذي يزاول مهمة الاسر التربوي هما الوالدان : الاب والام, فيأسران الطفل ويحيطان به تربويا كما يحيط الأسار أو السوار بمعصم اليد, وأي تراخ في هذا الاسار يجعل الطفل عرضة للتسيب داخل وخارج الاسرة.



 

إنها مسؤولية تربوية تضامنية مفروضة عليهما, لأنهما ارتضياها يوم اتفقا على اقامة الاسرة بالعلاقة الزوجية, وبالتالي لا يحق لأي منهما أن يقدم على استقالة شفوية أو مكتوبة يترك بموجبها مهمته التربوية تجاه ابناءه, ولم نشهد احدا في هذه الارض يفعل ذلك, ولو حدث فإنه سيكون موضع استهجان واستنكار شديدي اللهجة من افراد المجتمع.

لكن منطق الشجاعة التربوية مع انفسنا يجعلنا ننظر للواقع الذي نعيشه, ونستنطقه إن كان يعرف استقالة من هذا النوع, والجواب لا يحتاج الى طول نظر ورؤية, فالواقع يثبت فعلا بما لا يدع مجالا للشك إن استقالة فعلية واقعية تربوية حدثت وتحدث وموجودة, لا بصورة استقالة فردية فحسب بل بصورة استقالات جماعية يزاولها المجتمع بل المجتمع في مجموعه.

لقد استقال الاباء تربويا ولم يعودوا يفهمون من مهامهم تجاه الابناء, الا مسؤولية المصروف والكسوة والاكل وتوفير اسباب الراحة, وحسبوا أنهم بذلك قد ادوا الامانة واستحقوا تكريم وتقدير المجتمع لهم.. واصبح هؤلاء الآباء مشغولين فيما عدا ذلك خارج اسرهم يقتلون أوقاتهم في المهام الادارية والوظيفية ثم التجارية, ناهيك عن الاسفار والحل والترحال, فإن بقي من وقت يومهم رمق إخر النهار أجهزوا عليه في جلسات ما ربما كان فسادها اكثر من صلاحها.

وكثيرا ما يرجع الاباء إخر ليلهم ليجدوا ابناءهم في نوم عميق, ويصبحون والابناء في مدارسهم, وهكذا.. ولربما مضت ايام دون ان تقع أنظار الاباء على ابناءهم.

هؤلاء الأبناء في حقيقة الأمر يملكون أبا كل صلتهم به انه كان سببا في وجودهم, لكنهم لا يملكون أبوة الأب بمعناها التربوي الواسع.. أبوة التربية, ابوة العطاء والتجربة والخبرة, غن وجود هذا الاب بين ابناءه ولو صامتا, فيه من عمق التربية ما فيه, فيه التضحية بوقته, فيه التقدير لهم, فيه احساس المشاركة فيه الطمأنينة..

فما بالك اذا نطق الاب وهو بينهم خيرا أو حل مشكلة او ناقش همومهم.. إنه بذلك يكسر الحواجز بينه وبينهم ويسبر غور نفوسهم, بل يصبح مخططا لحياتهم خارج هذه الاسرة بما يعود عليهم بالنجاح والسداد.

إن قضية هذه الاستقالة جرح عميق تدمى له صدور الكثير من الابناء, وتذبح من خلالها اسر بكاملها. فإذا انضمت الى هذه الاستقالة الابوية استقالة مقدمة من الام, فى تسأل عن اسرة ولا سار ولا سوار, سينفرط العقد وتتسيب الاسرة بكاملها, ويصبح الابناء يتامى تربويا, يقتاتون تربيتهم من الخادمة او الشارع وأجهزة الاعلام, وما ادراك..؟

الم بهذه الاستقالة فقدت امومتها كما فقد الاب ابوته, لانها لم تستحق لقب (أم) في مقابل الولادة فحسب, وانما استحقته حين امتزج دمها بدم ابنائها, وامتزج حنانها بمشاعرهم, واصبحت نفوسهم مهيأة للتلقي التربوي عنها من أول رضاعة لهم.

وهذه الاستقالة لا تضر الابناء فحسب وإنما تضر الاباء والامهات وهي بالتالي تضر ابناء الابناء وابناءهم وهكذا.. وما وصل إليه المجتمع الاوروبي في هذا الشأن خير شاهد, حيث أصبحت القاعدة الاسرية عندهم أن الابوين كلما كبرت سنهما قلت منزلتهما وهانت على المجتمع بل على ابنائهما, وأصبح منتهى ما يتمنيانه ملجأ مناسبا للعجزة يأويان اليه, وقد يكون لهما من الابناء من هم في قمة الوظائف والمركز في الدولة, إنهم يعاملون الإباء والامهات كما عاملوهم, وكما تدين تدان.

وعكس هذه القاعدة نجدها في النهج الاسلامي فإن الابوين كلما كبرت سنهما عظمت منزلتهما وتقديرهما من المجتمع ومن ابنائهما, وحسبك دليلا ان النبي (ص) يلوم ويعيب من الابناء من ادرك ابويه شيخين كبيرين ولم يدخل بسببهما الجنة فيقول: (رغم انفه ثم رغم انفه ثم رغم أنفه قيل من يا رسول الله؟ قال: من ادرك والديه عند الكبر أحدهما او كلاهما ثم لم يدخل الجنة).

إن قضية هذه الاستقالات التربوية الواقعية قضية خطيرة تحتاج من الى وقفتين:

وقفة من الدول فاحصة شاملة تتناول أسلوب التعامل مع افراد المجتمع كأسر وكآباء وأمهات, وتتناول الاجهزة الاعلامية التربوية, والهيكل التعليمي واهدافه, والتنسيق بين ذلك كله ليعالج هذه القضية .

ووقفة من الآباء والامهات ليراجعوا مهامهم الفطرية التي حملها الله اياهم وسطرها في كتابه وبينها نبيه (ص) وطبقها صحبه الكرام ومن واكب مسيرتهم, نحتاج جميعا الى جلسة مذاكرة نتلقى فيها مهامنا التربوية من جديد تلقيا للتنفيذ في واقع الأسرة والمجتمع, وبغير ذلك سيظل الآباء والأمهات والأبناء بل المجتمع في تشرد وهوان وضياع.

 

موقع الأسرة السعيدة