ما من شك أن الحركة مرتبطة بالوزن، وأنه كلما خف الوزن كانت الحركة أنشط! فالذي يزن - مثلاً- مائتي كيلوجرام من الصعب عليه أن يكون في خفة من يزن سبعين كيلوجراماً، فالمائة والثلاثون كيلوجراماً "الزيادة" من شأنها أن تقعد صاحبها جبراً ومن شأنها أن تجعل الجلوس أميل إلى هواه ونفسيته، يعني من شأنها أن تؤثر بالسلب على نفسيته وعقليته وماديته جميعاً، ليس ذلك فقط بل إن الثقل والسمنة المفرطة والترهل من شأنها أن تؤثر- ليس فقط على صاحبها - بل على المحيطين والمتعلقين به خصوصاً إذا كانت الوشائج التي تربطهم به وشائج قوية غير قابلة للإهمال أو القطع، فصاحبة الوزن الثقيل مثلاً تحتاج إلى من يقعدها ومن يوقفها، ومن يأتي لها بما سقط من يدها، ومن يصبر على بطء تلبيتها، ومن يسير على حركتها فيتأخر لتأخرها، وهكذا··

 

إنها تجر معها بثقلها الزائد هذا أبناءها وزوجها وغيرهم ممن ارتبطت حركتهم بحركتها! إنها تطبع بيتها بمن فيه بطابع البطء والقعود والكسل والخمول! والحياة كما نعلم ونشعر بها جميعاً هي عنوان للحركة والانطلاق، والوزن الزائد يجهض هذه الحركة ويكبت ذلك الانطلاق! إن ما ذكرته ليس فيه مجانبة تامة للصواب وإن بدا أن فيه نوعاً من المبالغة، وإنني لأعتقد أن ما ذكرته ينطبق على الجانب النفسي للإنسان كما ينطبق على الجانب المادي فيه، وهذا ما أريد التركيز عليه في مقالي -الجانب النفسي- لأنه من وجهة نظري أخطر بكثير، فقد تنتبه المرأة التي زاد وزنها المادي، وقد تُنصح في ذلك وتعاتب، أما المرأة التي ترهلت نفسياً، وعاقرت الدنيا معاقرة إدمان والتصقت يداها بالأرض وتثاقلت إليها لدرجة أنها لم تعد قادرة على النهوض ولا القيام، وأصبح كل تفكيرها دنيا في دنيا وكل طموحها دنيا في دنيا، فهي امرأة ثقيلة - وإن كانت نحيفة - تهوي ببيتها المسلم كله إلى قاع سحيق، لا ينبغي لأصحاب الرسالات ولا لبيوتاتهم أن يقتربوا منه!

 

لابد أن نفهم أننا أصحاب رسالة، كلنا سواء كنا رجالاً أم نساء، وإننا لابد أن نبذل من أجل رسالتنا هذه التي ما شُرفنا إلا بها كل التضحيات، وإننا كلنا مشتركون في ذلك، ومطالبون بإعانة بعضنا البعض، فالرجل يعين زوجه وأبناءه على ذلك، والمرأة تعين زوجها وأبناءها على ذلك، والأبناء يعينون أهلهم وآباءهم على ذلك، قال تعالى: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض" الأنفال 27، وقال تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم"· التوبة 17، أما التي تظن أن ارتباطها بزوج معناه الامتطاء والتحميل بالرغبات والإحاطة بالحاجات، والخنق بالتبعات الدنيوية فهي بلا شك قد فاتها الكثير لتتعلمه عن دينها وعن وظيفتها التي كلفها الله بها وعن دورها الشرعي في خدمة دينها، وعن حقيقة الدنيا، ووزنها بالنسبة للآخرة، وعن أشياء أخرى كثيرة·

 

إن الإسلام إذا كان قد انتصر بياسر فهو أيضاً انتصر بسمية زوجه، وإذا كان قد انتصر بحمزة فقد انتصر بصفية أخته، وإذا كان قد انتصر بأبي سلمة فهو أيضاً قد انتصر بأم سلمة زوجه، وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها بعد ذلك، إن المرأة الجبانة تعيق زوجها عن النهوض بواجباته وتحمل المخاطر واقتحام العقبات، والمرأة البخيلة تمنع رجلها من بذل العون وإكرام الضيف ودعم الضعاف·· إن خذلان الداخل يعوق الامتداد إلى الخارج، ويجعل الرجل خادماً لمطالب بيته و مآرب زوجه وأولاده، وهذا طريق لا نهاية له، إن الله تعالى حذر الرجال من الانهزام أمام مطالب أسرهم والقعود بسبب هذا الانهزام عن الهجرة والجهاد رجاء البقاء إلى جوارهم، كما أنه تعالى أمر الرجال أن يلبوا نداء التضحية ولو تعلقت نساؤهم بأذيالهم وحذر من إيثار الراحة واجتماع الشمل على حساب المبادئ والعقائد، وهذا معنى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم، إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم"· التغابن(14-15)··

وإذا كان هذا المعنى لابد أن يفقهه الرجل المسلم وأن يوطن نفسه عليه فكذلك المرأة المسلمة لابد أن تعيه، إن سجن الرجل المسلم صاحب الرسالة وتكبيله بالمطالب التي لا تنتهي ليست شطارة بل هي خسارة عامة وعلى الجميع، ترى نتيجتها بمنتهى الوضوح في الآخرة، يوم يُسأل كل واحد منا عما قدم وعما أخر، يوم لا تزول الأقدام حتى نُسأل عن أعمارنا فيما أفنيناها وماذا بذلنا فيها، إن المرء لا يخطئه وهو يتدبر تاريخ سلفنا الأول التعاون الفريد الذي كان بين أعضاء الأسرة على خدمة الإسلام والوفاء بحقه واقتسام المغارم في نصرته بين الأزواج والزوجات· تقول أم سلمة رضي الله عنها لما أجمع أبو سلمة على الهجرة: "أعدّ البعير وحملني عليه مع ابننا سلمة ثم خرجنا إلى المدينة، فتبعه رجال من أهلي معترضين طريقه قائلين: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد، ونزعوا خطام البعير وأخذوني منه! وغضب عند ذلك رهط بني سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا! فتجاذبوا الولد بينهم حتى كادوا يخلعون يده، ثم انطلقوا به، وذهب زوجي إلى المدينة وحده، ففرقوا بيني وبين ابني وزوجي، فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، ومكثت على ذلك نحو عام، حتى هر لي رجل من بني عمومتي فرأى ما بي ورق قلبه لي، فقال لأهلي: ألا تتركون هذه المسكينة تلحق بزوجها؟ فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترددت ابني وارتحلت بعيري وخرجت أريد المدينة وما معي أحد من خلق الله"···

 

إننا مدعوون أزواجاً وزوجات لمثل هذا الاقتسام للمغارم في سبيل الثبات على الإسلام ونصرته، خصوصاً في هذا العصر الذي نحياه، والذي أصبح فيه الإسلام كاليتيم على موائد اللئام! إنني أدعو الكل إلى التخفف من الدنيا وعدم التثاقل إليها حتى لا يضيع الدين، وأخص في دعوتي هذه المرأة المسلمة، التي أدعوها إلى التخفف من الدنيا·· إنني أدعو إلى الخفة وعدم السمنة النفسية، التي تكسر الظهر وتقعد القائم، وتزيد الطين بلة! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته·

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 21 مايو 2005