من البشر يحب أن يكون له ذكر في الناس؟ إن طلب الذكر الحسن على ألسنة الناس ليس عيبا أو حراما، ولو كان الأمر كذلك لما سأله أبو الأنبياء – إبراهيم عليه السلام – الذي أورد الله على لسانه في القرآن: واجعل لي لسان صدق في الآخرين " والتي معناها واجعل لي ذكرا حسنا وثناء جميلا .كما أورد السيوطي في تفسيره. إن هذه الرغبة رغبة مباحة وفطرية ومحببة إلى النفوس، ويا حبذا لها لو كانت على لسان من لهم شأن في الناس، وكانت طويلة الأمد لا تنسى إلى حين. إن الواحد منا ليعتبر هذا الأمر لو حدث له نوع من التشريف يعتز به فما بالنا لو كان هذا الأمر خالدا لا ينسى إلى قيام الساعة وكان الذاكر هو الله تعالى ؟! إن هذا بالفعل هو الذي حدث لبعض البشر من أنبياء الله تعالى وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله كما ذكر بعض أنبيائه في القرآن، وجعل ذكرهم خالدا، نزل كذلك قرآنا في بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلى إلى يوم القيامة؛ ومن هؤلاء الذين نزل فيهم قرآن يتلى إلى يوم القيامة مصعب بن عمير!

 

إن مصعباً – كان قبل إسلامه أرفه شاب في مكة وأكثرهم تنعيما. يقول ابن سعد في طبقاته: كانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرفهه، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمي من النعال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكره ويقول: ما رأيت بمكة أحدا أحسن لمة ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير. هكذا كان قبل إسلامه، أما بعد إسلامه وهجرته إلى الحبشة فقد رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قطعة نمره قد وصلها بإهاب قد ردفه ثم وصله إليها لدرجة أنه لما رآه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نكسوا رؤسهم رحمة له، ليس عندهم ما يغيرون عنه، حتى إذا سلم رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن عليه الثناء وقال: الحمد لله يقلب الدنيا بأهلها لقد رأيت هذا – يعني مصعباً – وما بمكة فتى من قريش أنعم عند أبويه نعيماً منه ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير في حب الله ورسوله. (طبقات بن سعد 3 ص117).

هكذا عاش بعد إسلامه حتى يوم استشهاده في أحد حيث يقول خباب بن الأرت: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن به إلا نمره فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها مما يملي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر...!! (طبقات بن سعد)؛ وسبحان الله! إن المدينة المنورة بأسرها مدانة لمصعب بالخير إلى قيام الساعة. أتدرون لما؟ لأنه هو الذي شرح الله به بيوتها جميعا للإسلام والإيمان بالله ورسوله.

لقد أرسله صلى الله عليه وسلم مع الأنصار الذين بايعوه عند العقبة الأولى في موسم الحج من العام الثاني عشر من البعثة، يعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن، فأدى ما عليه تماما وأحسن وأخلص فيه، حتي ما ترك بيتا من بيوت الأنصار إلا و فيه مؤمن كان رجلا أو امرأة. لقد اختاره صلى الله عليه وسلم لأنه يمتاز برجاحة العقل، ودماثة الخلق، وحسن البيان وحباه الله موهبة الإقناع، والتوفيق فيما يتجه له من أمور وفوق ذلك فقد كان عقله يعي ما أنزله الله على رسوله من آيات بينات، وتحتفظ ذاكرته بالكثير من أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته. ولقد نزل مصعب على أسعد بن زرارة أحد رجالات البيعة الأولى وأخذ يدعو إلى الله تعالى لا يمل ولا يكل وشرح الله به قلوبا غلفا حتى فشا ذكره، وأتاه أسيد بن حضير سيد قومه يريد به السوء ويقبض على عربته بيديه، ويتطاير الشرر من عينيه فلما راه أسعد بن زراره، قال لمصعب هذا أسيد بن حضير سيد قومه. قد جاءك فاصدق الله فيه. فابتدره أسيد قائلا: ما جاء بك إلينا تسفه صحفائنا وتغير أحوالنا؟ اعتزلنا إن كانت لك بنفسك حاجة؟ فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع إن رضيت لأمر قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ ثم عرض عليه الإسلام حتى شرح الله صدره وأسلم، ثم ما لبث أن انطلق أسيد إلى سعد بعد معاذ وحمله إلى مصعب الخير يدعوه للاستماع إليه كما فعل، حتى شرح الله بمصعب صدر سعد بن معاذ للإسلام وكان سيد قومه، ورجع الداعيان إلى الله تعالى إلى قومهما ووقف سعد في نادي قومه يقول: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أني امرئ منكم؟ قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا.

قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. (سيرة بن هشام). قال فوالله ما أمسى دار من بني عبد الأشهل إلا وفيه رجل مسلم أو امرأة مسلمة، وظل مصعب يدعو ويدعو حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون. لقد صدق الله وأخلص له، آمن وهاجر ودعا وجاهد فشرفه الله بالشهادة في سبيله وأنزل فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. آل عمران 169- 170

حمل مصعب بن عمير رضي الله عنه، اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون، ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة، وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. وأخذ اللواء بيده اليسرى وانحنى عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فانحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في جواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم وشربهم، ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحرب؟ فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).

وعن طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أراك مهتما؟ قلت يا رسول الله، قتل أبي وترك دينا وعيالا. فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وأنه كلم أباك شفاها فقال: يا عبدي سلني أعطك. قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.

فقال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: يارب فابلغ من ورائي. فأنزل الله تعالى:[ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون]. وعن سعيد بن جبير قال: لما أصيب حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير يوم أحد ورأوا ما رزقوا من الخير، قالوا ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رغبة. فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ويستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 14 يناير 2006