مازال كلامنا مستمراً عن المجالات التي تستطيع المرأة المسلمة أن تبذل فيها لأمتها ولدينها بشكل منتظم ثابت، دون إخلال بمهمتها الأساسية وهى احتضان وتربية أبنائها على الإسلام، وتوفير السكني للزوج، ولقد ناقشت في المقال السابق مشكلة العنوسة ووضحت – قابلية الحل – بتطبيق قاعدة البذل التي اتفقنا عليها في المقال الأول والتي هي: ساعة واحدة في اليوم للأمة والدين.

 

واليوم نمتحن قدرة هذه القاعدة على حل مشكلة أخرى، إن مشكلة اليوم هي مشكلة ضرير يسير في طريق تمر فيه حافلات ضخمة و سيارات متهورة، وليس معه دليل يأخذ بيده لينجيه من المهالك التي تحيط به ميمنة وميسرة.

 

إنه مسكين وكل احتمالات الموقف الذي هو فيه تبدو مزعجة جداً وبائسة، فالوقوف غير مأمون، والتقدم إلى الأمام أو الخلف مجازفة كبيرة، والتشويق أو التغريب محفوفان بالمخاطر التي لا تخفى على أي متابع، إن هذا الضرير ليس أمامه للنجاة من هذا الموقف الصعب إلا أحد أمرين، أحدهما أن تجرى له عملية جراحية على يد جراح ماهر يجعل الله الشفاء على يديه، ويعود للضرير بصره. وثانيهما أن يتقدم إليه رجل بصير ذو مروءة إلى شاطئ الأمان، وأي حل غير هذين الحلين سيورده المهالك، وأعتقد أنني و حضراتكم متفقون على ذلك.


إن المشهد بأسره مشهد تشبيهي فالضرير هو كل إنسان حُرِمَ نور القرآن وهدي السنة، وهذا ما عَبَّرَ عنه القرآن في قوله تعالى:"أومَنْ كان مَيْتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به في الناس كمن مَثَلُهُ في الظلماتِ ليس بخارج منها...." (الأنعام/122 ). فالمقصود بالنور المذكور في الآية "القرآن الكريم"، والسؤال هنا ليس سؤالاً استفهاميا يحتاج إلى جواب واضح، ونتائجه ملموسة، فالسؤال سؤال استنكاري توبيخي، وأما الحافلات الضخمة والسيارات المتهورة المذكورة في المشهد، قضايا الحياة ومشكلاتها التي تمر على الناس أجمعين، إن المسلم – ناهيك عن غيره – الذي يشق الحياة بلا قرآن وسنة ستنهكه المشكلات الحياتية وستحطمه،لأنه ببساطة فَرَّطَ في الدليل الوحيد الذي فيه حل كل المشكلات.

ودعونا نُعَرِّجُ على بعض هذه المشكلات ونرى الذي فعلته مع أصحابها الذين حاولوا التعامل معها بغير القرآن والسنة ولنبدأ مثلاً بمشكلة مثل الطلاق، لقد بلغ متوسط عدد حالات الطلاق في مجتمعاتنا العربية في العام الأول من الزواج 33%، أتدرون ما السبب في ذلك؟ السبب أن هدف الزواج الذي ارتضاه الإسلام كان غائباً عن ذهن العروسين، والأسس التي تَمَّ عليها اختيار الرجل لزوجته وقبول المرآة زوجها كانت واهية وفاسدة ومرفوضة في الإسلام، وطبيعة العلاقة بين المرأة وزوجها كانت مبهمة، ضائعة الحدود، كالحروف بلا نقاط، كل شيء فيها مشوش ومختلط، فالمقاومة كلمة ليس لها معنى واضح أو حدود تراعى، فهي بالنسبة للرجل تمثل وهم السيطرة والقهر، وبالنسبة للمرأة قيد، تسعى لكسره والخلاص منه وكلا الأمرين لم يَأْمُر بهما لا القرآن ولا السنة، إنه الجو الذي تكبر فيه المشكلات التافهة، ويسيطر فيه العناد، وتنزوي فيه الرحمة، ويسهل فيه انفصام العروة الوثقى، وتقل فيه قيمة الميثاق الغليظ، الذي فرضه الإسلام، وارتضاه عنواناً لطبيعة هذه العلاقة بين الرجل و المرأة.

إن الزواج قضية حياتية هدفها الأساسي إنشاء السكينة والمودة والرحمة بين الرجل و المرأة، كما بين ذلك القرآن في قولة تعالى: "و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الروم/31)، وهذا الهدف لن يتحقق إلا بالمعايير والأسس والمبادئ التي بني عليها الإسلام هذه العلاقة، ومحاولة التعامل مع هذه القضية على غير هذه الأسس والمبادئ، من الممكن أن يحيلها إلى جحيم أو كابوس أو كارثة تصادمية، يحطم فيها كل الأطراف بدءاً من المرأة مروراً بالرجل وانتهاءً بالأطفال، إن الذي يصر على العماوة و ينبذ نور القرآن وهدى السنة يدفع بنفسه إلى موقف الضرير نفسه في المشهد الذي ذكرته أولاً.


ما علاقة المرأة المسلمة وقاعدة: "ساعة واحدة في اليوم للأمة والدين" بهذه المشكلة؟.

 

إن المرأة المسلمة – المعنية بخدمة أمتها ودينها قادرة بإذن الله – بتطبيقها هذه القاعدة - أن تحد بشكل كبير جداً من هذه المشكلة التي لا تختفي آثارها التدميرية على أطرافها، وعلى المجتمع بأسره، كيف؟ الإجابة أن تستغل الساعة المتفق عليها في الحوار مع بنات جنسها سواء المُقْدِمَاتِ على الزواج، أو حتى المتزوجات أو غيرهن لإرشادهن إلى فقه الزواج كما ارتضاه الإسلام وبينه القرآن والسنة.


وفقه الزواج الذي أقصده هو كل ما يتعلق به من: أهداف، وشروط صحة، وواجبات وحقوق، وآداب ومواصفات لابد أن تُرَاعى في كل مرحلة من مراحله بِدْءاً من التعارف، والْخِطْبَة والقبول، والعقد، والبناء، وكذلك التكاليف الخاصة بكل طرف وطبيعة العلاقة بين الأطراف، وحدودها، وطريقة منع المشكلات، وحلها وغير ذلك مما يرتبط به من أمور وقد يكون هذا الحوار في شكل حلقة علم في المسجد، أو جلسة دعوية في بيت، أو حتى محادثة في الهاتف، المهم أن يكون مبنياً على القرآن والسنة، وقد تتحجج امرأة وتقول: "إنني لا أعلم أصلاً هذا الفقه بالشكل الذي يؤهلني لبذله لغيري" لا بأس:

تعلميه..

 

استغلي مثلاً ثلاث ساعات من السبع ساعات أسبوعياً (حسب القاعدة) لتتعلمي من درس علم، أو كتاب، أو شريط كاسيت أو غير ذلك من وسائل التعليم والأربع ساعات الأخرى لتتحاوري مع غيرك فيما تعلمينه، أو اختاري غير ذلك من التوزيعات التي تناسبك وتناسب ظروفك، المهم في النهاية أن تشاركي في إنارة الطريق للتعامل مع هذه القضية، لمحاصرة مشكلة الطلاق التي صارت تتفشى بشكل مزعج جداً ينبئ بكارثة تضاف إلى الكوارث التي تعيش فيها الأمة ويشقى بها الدين، إن نتيجة الطلاق خصوصاً إذا كان سببه مشكلات عنيفة أو منازعات مستمرة أو تم بشكل جارح غير محترم، أطفال يشتكون من القلق، أو الخوف أو الانزواء عن المجتمع أو عدوانية ضده، أو تطرف في الأفكار والسلوك، أو غير ذلك مما يُورِدَهُ علم النفس ويُلْفِت الواقعَ إليه الانتباه إنني لا أريد أن أكون قاسياً فالقسوة من أبغض – إن لم تكن أبغض- الأخلاق إلى نفسي، في حكمي على الطفل الذي مَرَّ بهذه المحنه لكنه للأسف واقع، نريد محاصرته، والذي ندعو أختنا المسلمة للبذل فيه.

 

وما ذكرته من آثار للطلاق على الطفل، لا يبرأ منها الأبوان، وخصوصاً المرأة، التي تتعقد حياتها، ويبدأ المجتمع- للأسف - في التوجس والخوف منها، بل وظلمها بقيود عليها ونظرته لها مُقَلِلاً فرصتها في بدء الحياة من جديد بشكل ليس فيه بخس حق لها، مُسَلِطَاً سيفه عليها لأنها مطلقة، وما ذكرته بالنسبة للمرأة ينطبق بدرجة أو بأخرى – وإن كان أقل حدة – على الرجل، والنتيجة أطفال ورجال ونساء يشتكون، إن المرأة المسلمة المَعْنِيَّة بما نناقشه مدعوة لحماية أطفال أمتها ونسائها ورجالها من هذا الشقاق الذي يصدع المجتمع، وللحديث بقية في الأسبوع المقبل إن شاء الله.

 

كتبه الأستاذ عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ: 11/5 /2004