Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

فوائد الصوم

فوائد الصوم
مشاركة 
الرابط المختصر

الصيام عبادة قوامها أن يمتلك المرء نفسه، وأن يحكم هواه، وأن تكون لديه العزيمة التي يترك بها ما يشتهي، ويقدم بها على ما يكره!



قوام الصيام تحرير الإرادة الإنسانية، وجعلها تبعًا لأوامر الله لا لرغائب النفس!! وتحرير الإرادة هو الفرق الهائل، لا أقول بين الحر والعبد بل بين الإنسان والحيوان!! إن الدابة تفعل ما تحب وتدع ما يضايقه، والمسافة بين عزيمتها وشهوتها معدومة, بل لا عزيمة هنالك, ولا صراع بين شهوات وواجبات. أما الإنسان فيتطلع إلى أمور تردعه عنها حواجز شتى.. فإن غلب رشده كان عقله حاكمًا لرغائبه, وإلاَّ فهو إلى الدواب أدنى. وليس الصيام عن الشهوات فارقًا بين الإنسان والحيوان فقط, بل هو فارق بين الناجحين من الناس والفاشلين؛ فالنجاح في كل شيء قدرة على تحميل النفس الصعاب, وتصبيرها على الشدائد, وقدرة على منعها ما تستحلى, وفطامها عما تبغي. ومن قديم عرف طُلاّب العُلا هذه الحقيقة, واستيقنوا من أن الراحة الكبرى لا تنال إلا على جسرٍ من التعب, وأن من طلب عظيمًا خاطر بعظيمته, وأن ركوب المشقّات هو الوسيلة الوحيدة لإدراك المجد. وقد شرع الإسلام الصيام للناس؛ كي يدربهم على قيادة شهواتهم, لا الانقياد لها. ومن هنا حرَّم على المؤمنين من مطلع الفجر إلى أول الليل أن يجيبوا أقوى رغائبهم, وأن يتمرنوا الحرمان الموقوت، وأن يتدربوا عمليًّا على فهم الحديث الجليل "حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره, وحفت النار بالشهوات".

 

والصيام امتناع عن أمور.. والامتناع عنصر "سلبي" لا يراه الناس عادةً.. إنه سر باطن كالإخلاص ما يعرفه إلا علام الغيوب. وذلك تفسير ما ورد في الحديث القدسي: "الصوم لي". إنه امتناع عن الطبائع المادية للبطن والفرج، وهو كذلك امتناع عن مطاوعة طبائع الغضب والاستفزاز. والصائم ساكن وقور, وذاك أعون له على ذكر الله, وصفاء النفس. وتجد ذلك كله في الحديث المشهور عن أبى هريرة قال: قال رسول الله : "قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

"والصيام جُنَّة, فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب, فإن سابه أحد, أو قاتله فليقل: إني صائم, إني صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره, وإذا لقي ربه فرح بصومه".

والمشقة التي يلقاها الناس ضروب تحتاج إلى تفصيل.. فهناك مشقة من الجد الذي يقابل الهزل, أو العمل الذي يقابل العطل, أو الحق الذي يقابل الباطل, أو الجهاد الذي يقابل القعود. وهذا الضرب من المشقة لا بُدَّ من تحمله, ومن ترويض النفس على أعبائه, ويصعب أو يستحيل تصور الإيمان بدونه. وهناك مشقة النهوض للكمال الأعلى, والعكوف على مرضاة الله مهما حملت صاحبها من مكابدة الناس، وتحمُّل العنت. وقد بيَّن الله لنبيه طرفًا من هذه المشقة عندما استثاره لقيام الليل, ووجَّهه لهداية الناس, وصارحه بطبيعة الرسالة: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5]. إنه قول ثقيل حقًّا بما تضمنه من واجبات عظام, ولكنها طبيعة المناصب الجليلة لا تنفك أبدًا عن هذه الأحمال الثقال!!

وهذا الضرب من المشقة مفروض على أصحاب النفوس الكبار.. وهو نهج من الحياة يصطفي الله له من يشاء, وتسترخص فيه مهج ونزوات, وآمال وملذات. وثمَّ ضرب آخر وهو تحميل النفس ما لا قِبل لها به, وما تعجز عن أدائه. وهذا لم يكلف الله به أحدًا من خلقه {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. والصيام فريضة لا بد منها لتدريب المسلم على المشقة الأولى, وتهيئته للثانية؛ فإذا عرضت المشقة الأخيرة سقط الصيام فلا يجب على أحد. ويستبين من هذا أن الصوم ليس تعذيبًا جسمانيًّا, وليس تعطيلاً عن عمل, إلا إذا اعتبرنا الرياضة البدنية محاولات لهدم الجسم الإنساني، وتعجيزه عن أداء الواجبات.

الصوم رياضة لها هدف, وغراس تُرجى منه ثمار.. الصوم مشقة محدودة لتدريب الناس على المعنويات العالية, وتعليمهم كيف يفعلون الخير ويتركون الشر, أو كيف يعشقون الحسن ويكرهون القبيح, أو كيف يسارعون إلى مرضاة الله ويفرون من مساخطه. إنه ليس معركة مبهمة ضدَّ الجسد, ولكنه خطة واضحة لتزكية القلب ودعم الإيمان, واحتساب التعب عند الله لا عند أحد من الناس. وفي هذا الجو من ترشيح النفوس للتقوى, والعزوف بها عن الشهوات الدنيا, والتحليق بها إلى مصافّ الملائكة, يذكر أن القرآن نزل في هذا الشهر, وأن على المؤمنين بعد أن يقضوا سحابة النهار على ما وصفنا أن يصفُّوا أقدامهم في المحاريب, ويرطبوا ألسنتهم بتلاوة الكتاب العزيز. قال عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"[1].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 183-185]. وقبل أن نذكر الآية التي تلت هذه الآيات, والتي يبدو للناظر السطحي أنها مقحمة وسط آيات تتحدث عن شريعة الصيام وأحكامه, نعود مرة أخرى إلى الجو الصافي المشرق الذي يحدثه الصيام في النفوس.. إن هذه الفرصة تطهر أصحابها بالنهار؛ كي تعدهم لاستقبال هدايات القرآن في قيام الليل.. وهذا النوع من التخلية ثم التحلية كما يقول علماء القلوب يجعل المسلم أقرب شيء إلى رضوان الله وغفرانه, وقد جاء في الحديث، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أيْ رب، منعته الطعام والشهوة, فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه". قال: "فيشفعان"[2]. وفي رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله : "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد". قال: وسمعت عبد الله يقول عند فطره: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي". وفي رواية: "ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر, والمظلوم حتى ينتصر, والمسافر حتى يرجع"[3].

وهذا كله يشرح لنا قوله تعالى بعد آيتي الصيام السابقتين: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186][4].


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.





تعليقات الموقع