ما أكثر سماع هذه المقولة بين الرجال والنساء، إن تكرارها يُوحي بأن كلاً منهما كائن مختلف تماماً عن الآخر، وإن هذا الاختلاف هو الذي أدى ويؤدي إلي انعدام التفاهم بينهما، والحقيقة أن المرء يحار بعض الشيء أمام هذا  الموضوع وتلك القضية، إن الظاهر يشهد بأن الجنسين أقرب للتماثل منهما إلي الاختلاف، فكلاهما يملك نفس الحواس الحية، وكلاهما مجبول علي نفس الأصول النفسية من الإحساس بالخوف والفرح، والحزن، والأمان، والضحك والبكاء، وكلاهما يملك عقلاً يستطيع به التفكير والتفوق لا فرق في ذلك بينهما. ورغم هذا التماثل الظاهر، ينشأ بينهما مواقف تُوحي بأن كل ما ذكرت وهم وسراب، وأن الأصل بينهما هو الاختلاف! والحقيقة- من وجهة نظري- هي أن كلا من الجنسين متماثل، نعم، متطابق، لا، إن المثلية ليس معناها التطابقية، ولنضرب على ذلك مثالاً من نفس الجنس؛ وليكن جنس الرجال؛ من المفروض أن يكون جنس الرجال أجرأ من جنس النساء، ولكن هل معنى ذلك أن يستوي جميع الرجال في جرأتهم؟ وهل هذا هو الواقع؟ أبداً، هناك رجال أجرأ من رجال، ، بل إن هناك رجال أخوف من النساء!


محتويات المقالة

     

    أرأينا أن التماثلية العامة – في نفس الجنس – لم تعني التطابقية في كل الصفات فما بالنا، إذا كانت هذه التماثلية في جنسين مختلفين، من المفروض أن يتكاملا، إن ذلك أدعى لافتراض وتوقع عدم التطابقية بينهما، إن هذه المعلومة رغم أنها تبدو بديهية، إلا أن الواقع يشير وبقوة، إلى أنها غائبة عن أذهان أغلبية الرجال والنساء، وهنا مربط الفرس! إن الخطأ المشترك بين الرجال والنساء أن كلا منهما يعتقد أن الطرف الآخر عليه أن يشعر ويتصرف بنفس أسلوب الطرف الآخر، وأن الاختلاف في الشعور والتصرف يعطي الحق للطرف الثاني أن ينقض عليه ويكيل له! يقول علم الاجتماع والنفس أن المرأة عندما تروي لزوجها شيئاً ما أو تعرض عليه مشكلة ما، فإنها تحتاج أول ما تحتاج إليه أن يشاركها زوجها مشاعرها والحدث الذي مرت به، تحتاج إلى ذلك قبل أن يبادرها زوجها بالحل، فهل هذه الطبيعة مكشوفة للرجل ومعلومة له؟!

     

    إن الرجل أول ما تبدأ زوجته في عرض مشكلاتها يبدأ هو – فطريا - وبدون قصد عدم الاكتراث أو تهميش الإحساس في التفكير في الحلول التي يراها مفيدة للمشكلة، وهو إذ يفعل ذلك يعتقد أنه يقدم لامرأته ما تحتاج ولكنه يفاجأ برد فعل - غير متوقع، وهو تأجج المشاعر، واحتدام الحديث ثم الصدام، وهو بالطبع لا يفهم سبب ذلك، وتبدأ الأمور تتأزم ويصطبغ الحوار بهذه الحدة: هي: إنني أريد منك أن تشاركني في إحساسي. هو: لقد أردت مساعدتك، وعرضت عليكي الحل الذي أراه مناسباً. هي: إن القضية ليست قضية تقديم حلول، إن القضية قضية إحساس. هو: أنا أسف بعد ذلك لن أقدم أصلاً حلاً، إذا كان تقديم الحلول يستثيرك بهذا الشكل. هي: أنا غلطانة إنني لن أروي لك شيئاً من أصله. هو : ياريت لا تكرري خطأك هذا. هي: دا أنت غريب! هو: دا أنتي الغريبة!

     

    إن هذا الحوار يتكرر كثيراً، بين غالبية الأزواج ولا شك في ذلك؛ ونحن نريد أن نستغله لمعرفة أين الخلل وكيف يمكن إصلاحه؛ إن الخلل من وجهة نظري يكمن في أن الرجل لا يقدر الطبيعة الانفعالية للمرأة، وإن هذه الطبيعة الانفعالية تحتاج إلى السكون أولا قبل أن تستقبل الحلول، إنها تحتاج إلى الاحتواء أولا والمشاركة بالاستماع والهات والخد، قبل تقديم الحلول، والرجل عليه أن يفعل ذلك أولا وعليه أن يؤخر تقديم الحلول، ولا يجعل هذا الأمر أولوية مطلقة في كل وقت تعرض عليه المشكلة.

     

    هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فعلى المرأة أن تدرك أن الرجل ولأنه – منذ القدم – وكأصل فطري فيه مجبول على المسارعة لحل المشكلات التي تعترض من يعول ويحميهم، فهو منذ القدم المنوط به أن يجد المكان الآمن له ولزوجه ولذريته، وهو منذ القدم المنوط به أن يسعى لحل مشكلة الفقر، والجوع، والعطش، والعري، وغير ذلك، إن انطلاقة الرجل لتقديم الحلول هي انطلاقة فطرية، من الظلم أو الخطأ أن يعاتب عليها، أو أن يفتعل الصدام معه من أجلها، لابد أن تفهم المرأة أن الرجل عندما يبادرها بحل مشكلتها، ليس معناها أنه لا يكترث لأحاسيسها ولا يشعر بها أبداً، بل على العكس، هو يكترث بها وبأحاسيسها ولذلك يحاول أن يوجد لها حلاً يريحها ويسير لها أمرها به! إن المطلوب في هذه القضية تحديداً أن يستمع الرجل للمرأة، وأن لا يبادرها بالحلول أولاً، وكذلك مطلوب من المرأة أن لا تعتب على زوجها، ولا ترميه بتهم هو بريء منها.

     

    نقطة ثانية: إن الأمومة تحتاج لملكات معينة حتى تُؤدى على خير وجه، فهي مثلاً تحتاج إلى المتابعة في التفاصيل الدقيقة، فالوليد أو الصغير لا يغنيه أن يطمئن عليه اطمئنان إجمالي، إنه يحتاج إلى المتابعة والاطمئنان عليه في كل صغيرة وكبيرة فيما يتعلق بصحته ومأكله ومشربه وملبسه ونفسيته، إن الأم هي أول من يلحظ أن نشاط وليدها على غير المعتاد، وأنه شاحب اللون، وإن به حرارة، وأن شيئاً ما يشغله، وأنه غير سعيد، أو أنه كذا وكذا، فالوليد أو الصغير في مراحله الأولى لا يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا بالبكاء، والمرأة بفطرة الأمومة المجبولة عليها تستطيع أن تفك ألغاز بكائه بالتفصيل، لأنها تعلم وتدرك معتادة وتلاحظ بمنتهى السهولة أي تغير يطرأ عليه، إنه تحت عينها باستمرار، مسلطه عليه كل حواسها، وهذا من رحمة الله تعالى بالوليد.

     

    إن كل ما تفعله المرأة من هذا المنوال في اتجاه وليدها، أمر بالطبع محمود، لها عليه من الله الثواب ومنّا الشكر، ولكن الحذر كل الحذر – وهذا ما يقع فيه أغلبية إن لم يكن كل النساء، أن تتجه المرأة بهذا الأسلوب تجاه زوجها، أقصد أن تتابعه وتراقبه وتتدخل في شؤونه تدخلاً تفصيلياً في كل صغيرة وكبيرة، ولأن ذلك يخنق الرجل ويشعره أنه مكبل، وأنه مفروض عليه الوصاية، وأنه حبيس ومسلوب الحرية، وهذا ما يدفعه للثورة على زوجه عندما تحاول أن توجهه أو أن تأمره أو أن تُملي عليه شيئاً معيناً، على المرأة أن تفهم أن المتابعة التفصيلية والتدخل في كل شأن مجاله وليدها وليس زوجها، فزوجها يحتاج إلى شكل آخر من أشكال العلاقة التي يشعر بها بحريته وأنه ليس في مدرسة الناظرة فيها زوجه،... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     

    عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 3 سبتمبر 2005

     


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.