إنها الجملة التي يسمعها كل شاب رقيق الحال يريد أن يتقدم لفتاة يتزوجها وليس عنده الكثير لكي يقدمه، وهي أيضاً الجملة التي بسببها قد تعنس الفتاة ويفوتها قطار الزواج.. ما هذا المنطق البور الذي تسلل إلينا وعشش في أذهاننا وباض وفرخ؟ إنه منطق من وجهة نظري خاطئ ومعنت، منعدم الحكمة، وتعالوا نقارن حتى نرى إن كان الصواب فيما ذهبت إليه أو في غيره! من الأهنأ والأكثر استقراراً نفسياً ومزاجياً، فتاة تزوجت على مهر قليل من رجل صالح اتقى الله فيها وأنجبت منه عيالاً، فصارت بهم أماً، أم امرأة أصرت وأصر أهلها على عدم زواجها إلا بمهر يماثل مهر أختها أو ابنة خالتها فلم تتزوج وأصبحت عانساً؟ من الأهنأ الأولى أم الثانية أم حتى الثالثة التي أصرت على أن تتزوج بمهر يماثل مهر ابنة خالتها حتى وإن كان دافع هذا المهر إبليساً أو رجلاً لا يرقب فيها إلاًّ ولا ذمة ولا تقوى؟ إن التشبث بمنطق المغالاة في المهور وجعله وكأنه قضية دين من يتنازل عنه يكفر، أمر لا يقره الإسلام البتة ولا يرتضيه.

 

صحيح أن المهر في شريعة الإسلام حق خالص للمرأة ولا يجوز الزواج "النكاح" إلا به، هذا على المستوى المادي، وأما على المستوى النفسي فهو نوع من الهبة أو الهدية يقدمه الرجل بين يدي عقد الزواج، وهذه الهدية أمر لطيف يزرع بذور المودة في بداية الحياة الجديدة، والهدية تكون بحسب قدر المهدي فلا حرج في أقل القليل، ولا حرج كذلك في الكثير ما دامت حدود القدرة والطاقة تسمح بذلك والهدية - كما ينبغي أن تكون - أمر رمزي قيمتها ليست في ثمنها بل في مشاعر من يقدمها ورغبته في إكرام صاحبته، والكريم من جاد بما عنده فيستوي في القيمة المعنوية خاتم من حديد يقدمه فقير، مع قنطار من ذهب أو فضة يبذله صاحب ثراء عريض، قال تعالى: "وآتُواْ النِّسَاء صَدُقاتِهنَّ نِحلة" النساء -4، نحلة يعني: هدية هذا هو المنطق الذي من المفروض أن يرتبط بقضية المهر، فالمهر مرتبط بقدرة من يقدمه وليس تسعيرة جبرية علقها صاحب متجر على بضاعته "التي هي ابنته"، غير قابلة للفصال بغض النظر عن صلاح ورقة حال من يتقدم إليها.

 

إن الإسلام لأنه دين التيسير رفع الحرج عن الناس ودفع الكلفة عنهم، يأمر بالتيسير في كل الأمور، كمبدأ تعاملي بغض النظر عن القضية المثارة، وهذا ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"، وكما قلت هذا المنطق لا يختلف في أي قضية من القضايا خاصة قضية المهور، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصداق أيسره" رواه الحاكم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على كم تزوجتها؟ قال على أربع أواق (أواق جمع أوقية وهي أربعون درهماً)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على أربع أواق؟!! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل (أي تقطعون الفضة من جانب الجبل)، ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه (أي في جيش مبعوث لغزو تصل به إلى غنيمة) رواه مسلم.

 

لقد استكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربع أواق والتي كانت تعادل مائة وستين درهماً؟! وعن عمر بن الخطاب قال ألا لا تغلوا أصدق النساء فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله عزّ وجلّ كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقه امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول كلفت لكم علق القرية (رواه النسائي) المراد: أنفقت كل ما أملك عظيمه وحقيره، وصحيح أنه ينبغي أن يحمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد في حديث أبي هريرة، وكذلك كلام عمر بن الخطاب على ما كان عليه حال المسلمين في الزمن الأول من الفقر وضيق ذات اليد، ولكنه صحيح أيضاً ما جاء من إقرار للمبدأ ذاته وهو مبدأ عدم المغالاة، إنني لا أريد أن يفهم من كلامي هذا أن الإسلام يجبر الفتاة على أن تُمهر بمهر يسير ولا يبيح غير ذلك، أبداً إنما أريد أن يفهم من كلامي هذا أن المهر هدية مرتبطة بحال من يقدمها، وأن من يقدمها أهم وأثقل في الميزان منها، وأن المهر ليس عنصر القبول الأول ولا الأوحد في ارتضاء شخص أو رفضه، واسمحوا لي أن أعرض على حضراتكم نماذج من المهور أوضح بها هذه القضية·

 

أتدرون ماذا كان المهر الذي طلبه شيخ مدين من سيدنا موسى عليه السلام لإنكاحه إحدى ابنتيه؟ كان المهر مؤاجرة سيدنا موسى ليعمل ثماني سنين أو عشراً، قال تعالى- على لسان شيخ مدين في حديثه مع موسى عليه السلام- :(قالَ إنِّي أُريدُ أنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن عَلَى أن تَأجُرَنِي ثمَانِيَ حِجَج فإنْ أتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ "27" قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أيَّمَا الأجَلَيْن قضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ"28") القصص·

 

وقد يكون المهر على وزن نواة من ذهب، يا ترى كم تساوي الآن نواة من الذهب؟ فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة "الصفرة نوع طيب مخلوط بزعفران أصفر اللون"، قال ما هذا؟ قال إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال بارك الله لك، أولم ولو بشاة، رواه البخاري ومسلم، أتدرون حضراتكم بما مهرت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها؟ مهرها سيدنا علي كرم الله وجهه بدرعه فقط! عن ابن عباس قال: لما تزوج علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:أعطها شيئاً، قال: ما عندي، قال فأين درعك الحطمية (درع سابغة تحطم السيوف)؟ قال عندي قال: أعطها إياه، رواه النسائي، وأي النساء قبل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة وقبولاً، هذا إن كان الشاب رقيق الحال ولا يقدر على غير ذلك، أما إذا كان موسراً فلا بأس عليه إن أمهر ولو بالياقوت والمرجان، فعن ابن عباس أنه قال: جاءت امرأة ثابت بن مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكني لا أطيقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتردين له حديقته "وكان صداقها حديقة"؟ قالت نعم. رواه البخاري.

 

نموذج آخر: عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقاً ولم يعطها شيئاً، وكان ممن شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقاً، ولم أعطها شيئاً وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر فأخذت السهم فباعته بمائة ألف· رواه أبو داود، أرأينا كيف أن الأمر فيه سعة ولابد له من مرونة؟ إنني أردت بهذا المقال أن أنصح كل فتاة وكل أهل فتاة، يسيئون إلى أنفسهم وإلى كريمتهم بتمسكهم بمنطق ليس من ورائه إلا الشقاء لهم ولكريمتهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 9 أبريل 2005