حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فيما وصلنا إليه من فهمنا للدين والتزامنا به من طباع، فمازالت الكتابة في هذا المقال متصلة بقضية أثرناها في مقالين سابقين عن ضرب المرأة، ولأن الكلام هنا تكملة لما سبق فاسمحوا لي أن ألخص لحضراتكم سريعاً ما جاء فيها:

 

وضحنا في مقال سابق أن من أراد أن يفهم أي جزئية في أي موضوع فلابد أن يفهم هذه الجزئية في ضوء كليات الموضوع وأسقطنا هذه القناعة على علاقة الرجل المسلم بزوجته فقلنا إن الإسلام يأمر بالرحمة والعدل والرفق والعفو كأصول أخلاقية عامة بين أي اثنين تظلهما شريعته، وإنه بديهي ومن باب أولى أن يشدد على هذه الأصول بين الرجل وزوجته لخصوصية العلاقة بينهما والتي أرادها الله أن تقوم على السكينة والمودة والرحمة، ويضيف إلى تلك الأصول العامة أصولاً أخرى خاصة تدور في فلك تلك الأصول العامة زيادة في حماية هذه العلاقة وصيانتها.

 

ومن هذا المنطلق فقط ينبغي علينا أن نتعامل مع قضية ضرب الزوجة الناشز والذي يعد سلوكاً اضطرارياً مؤقتاً مقيداً أشد التقييد في مشروعيته وكيفيته، يلجأ إليه عند فشل كل الوسائل العلاجية الأخرى لتصحيح وضع معوج يهدد كيان الأسرة واستقرارها وينذر بشر مستطير! وقلنا إن تحويل قضية ضرب المرأة إلى أصل اعتيادي مطلق في مشروعيته وكيفيته أمر ليس من الإسلام في شيء لأنه ضد أصول الإسلام التي قام عليها، فالإسلام لا يجمع بين أضداد ولا يسمح بازدواجية في تعاليمه أو في تربية أتباعه، فهو يرفض صورة الذي يعطف على الحيوان الأعجم لنص ورد في فضل الرحمة بالحيوان في الوقت الذي يضرب فيه زوجته بلا جريمة وبلا ذنب ارتكبته يدخلها في دائرة النشوز التي تضطر إلى مثل هذا التأديب متعدياً كافة العلاجات الأخرى من وعظ وهجر في المضجع وغير ذلك مما يلجأ إليه لرأب الصدع.

 

أما في المقال الثاني فقد نبهنا إلى آفة خطيرة جداً تقلب الحقائق رأساً على عقب وتحول ما هو يمين إلى يسار وما هو فوق إلى تحت وهذه الآفة هي آفة الاجتزاء بمعنى اجتزاء واقتطاع نص من سياقه الذي ورد فيه أو كلمة من النص الذي احتواه، وبينا خطورة هذا السلوك في القضية التي نحن بصددها فذكرنا أن الذي يبيح لنفسه ضرب زوجته لكونه وصلت إلى سمعه كلمة "واضربوهن" في القرآن الكريم من غير أن يعرف متى تستحق ذلك الأمر ومتى يلجأ إليه وكيف يقوم به وما هو هدفه وما هي حدوده، وغير ذلك مما وضحه سياق الآيات التي وردت فيها الآية، يقع في ظلم فادح يظلم فيه زوجته ويسيء إلى دينه الذي يمثله بجعله كرامة المرأة بجانب تقوله على الله تعالى أن الإسلام أباح لرب الأسرة تأديب زوجته التي يخاف إصرارها على النشوز، وهنا محور الموضوع، فالإصرار على النشوز الذي يبعثر كيان الأسرة ويقلب الأوضاع فيها ويزلزل استقرارها هو الذي قد يدفع إلى مثل هذا السلوك وأكرر أن دائرة النشوز هي دائرة الحالات التي يكون الإثم فيها بالغاً مثل عدم الاستقامة الأخلاقية وما يدور في فلك هذا الموضوع الحساس مثل السماح بدخول رجال إلى البيت وجلوسهم فيه بينما يكره الزوج دخولهم وجلوسهم، إن الذي لا يفهم أن هذه هي الدائرة التي يلجأ فيها إلى مثل هذا السلوك ويجعل كل مخالفة تافهة لزوجته في رأي أو سلوك نشوزاً تستحق عليه الضرب، رجل ينفس عن علله النفسية ولا علاقة لسلوكه بأمر قرآني أو بغيره.

 

فقد كانت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه وكانت إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل وما عرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه مد يده على أحدهن بسوء أبداً، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده لا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما بذل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيئاً من محارم الله فينتقم لله عز وجل"· رواه مسلم، وعن إياس بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تضربوا إماء الله"، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء (اجترأن على أزواجهن) فرخص في ضربهن، فطافت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثيرات يشكين أزواجهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد طافت بآل محمد نساء كثيرات يشكين أزواجهن ليس أولئك بخياركم" (رواه أبو داود)، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (رواه ابن ماجه)، إن الذي يجعل من زوجه وسادة يضربها ليفرغ فيها الضغط الذي يحياه امرؤ ظالم لم يلتفت إلى تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني أحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة" (رواه الحاكم)، يعني أحذر وأخوف أشد التحذير والتخويف من التعدي على حق الضعيفين ومنهما المرأة، فالضرب لا يلجأ إليه إلا إذا أصرت المرأة على نشوزها ولم ترجع إلى الحق بعد الوعظ الذي قد يستمر طويلاً والهجر في المضجع الذي أيضاً قد يستمر طويلاً، وحتى إن لجأ الزوج إليه فلابد أن يكون بقصد التأديب وليس بقصد الإهانة أو الحط من الكرامة أو الانتقام، ولابد أن يكون برفق وأن يتجنب فيه الوجه موطن الكرامة بتاتاً، فعن معاوية قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" (رواه أبو داود).

 

وألفت الانتباه إلى "ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" فإن ترادفهما مع "لا تضرب الوجه" يوضح ما ينبغي أن يكون عليه الأمر إجمالاً وتفصيلاً، واسمحوا لي أن أسوق لحضراتكم بعض أقوال العلماء في وسيلة الضرب حتى تتضح الصورة أكثر وتقوم الحجة البالغة على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال الحصباص: روى ابن جريج عن عطاء: "الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه أما ما عداه فهو ضرب ممنوع شرعاً"، وقال ابن حزم: "..وضربها بما لا يؤلم ولا يجرح ولا يكسر ولا يعض فإن ضربها بغير ذنب اقتصت منه..، وإنما أباح (الشارع) الضرب ولم يبح الجراح ولا كسر العظام ولا تعفين اللحم، وقال تعالى: (والحرمات قصاص) فصح أنه إذا اعتدى عليها بغير حق فالقصاص عليه"، وقال الحافظ ابن حجر: "إن كان لابد فليكن التأديب بالضرب اليسير بحيث لا يحصل منه النفور التام··، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن العشرة المطلوبة في الزوجية إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله"، وقال الشيخ الدرديري: ولا يجوز الضرب المبرح ولو علم أنها لا تترك النشوز إلا به فإن وقع فلها التطليق عليه والقصاص وهو الوارد في قوله تعالى: "العين بالعين والسن بالسن"..
ما رأيكم دام فضلكم؟! اللهم فقهنا في ديننا واجعلنا وقّافين عند حدودك· آمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته·

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 2 ابريل 2005