يتوق الانسان بفطرته إلى السلام - اننا نفتقد البصيرة والرؤية الواضحة للسلام في عالم يسوده الغضب والحزن ، نحاول أن البحث عن السلام في أنفسنا،  لانجده، حتى الطبيعة تأثرت بانعدام السلام ( التلوث البيئي، الصخب، ازدحام الطرق، أصوات السيارات، صراخ الغضب ) حتى الليل، خسرنا صفوه وهدوءه، نعود إلى بيوتنا نلتمس السكون والهدوء، نفتح أجهزة التلفاز لنرى كوارث ومصائب وحروبا تملأ العالم، حتى الأفلام والمسلسلات مليئة بالعنف والقتل، تقلق حتى منامنا - الأخبار العالمية تحمل لنا أنباء صرعات وحروبا محلية أو  دولية أغلبها اتخذت طابعا دينيا، مذهبيا أو عرقيا، تعطينا, شئنا أم أبينا , دوافع للثورة الثأر لما نؤمن به من عقيدة أو مذهب. عنف قد يغير وجهة نظرنا، فينعكس على علاقتنا بجيراننا وزملائنا بالعمل وأصدقائنا الذين ينتمون إلى معتقدات أخرى، فيتحول الحب إلى كره، والأمن إلى قلق وخوف وعنف، فنفتقد السلام ونفقد أمننا النفسي.

في غياب خبرة التعامل مع السلام،أخذت الدول تبحث عنه من خلال عقد المؤتمرات والمعاهدات والمناقشات، فانقلبت المفاهيم وظهرت مفاهيم جديدة مثل ( الحصول على السلام عن طريق الحرب ) وبدأت الدول تستعد للحرب وتذهب إليها باسم السلام . 

     إذا أردنا أن نبحث عن السلام، علينا البحث عنه في أعماق أنفسنا في فطرتنا التي فطرنا الله عليها فإذا ما فقدناه , فقدنا أهم حاجة نفسية وهي الأمن النفسي . لقد تناولت العديد من النظريات والبحوث هذا الجانب الأساس من مكونات البناء النفسي للإنسان ( الأمن النفسي ) , منها( النظريات الإنسانية) في علم النفس التي تولي اهتماما خاصا بالخبرة الشخصية التي يمر بها الأفراد ومشاعرهم ومفاهيمهم الخاصة فضلا عن توجهاتهم نحو العالم والذات ، ومن النظريات التي تعد نموذج لهذه الفئة من النظريات،  نظرية العالم النفسي ( أبراهام ماسلو) التي حاول فيها تفسير السلوك الإنساني في ضوء الدوافع والحاجات النفسية . 

صنف ماسلو الدوافع البشرية ونظمها بشكل هرمي متدرج مستندا على عدد من المسلمات منها:-

 

1.    أن حاجات الإنسان تنتظم بشكل هرمي متدرج يبدأ في الحاجات فسيولوجية ثم الحاجة إلى الأمن، ثم الحاجة إلى الانتماء, ثم حاجات تقدير الذات, فحاجات تحقيق الذات , وصولا إلى الحاجة إلى المعرفة والجمال .

وهذا التدرج مبني على أساس إلحاح الحاجة من أجل الإشباع بمعنى أن الحاجات التي تأتي بالصدارة هي التي تستحوذ على الانتباه الفرد  وتقل بالتالي قدرة الحاجات الأخرى  على جذب انتباهه ، ويعلق ماسلو على ذلك بكلماته التالية ( بالنسبة للإنسان الجائع بصورة مزمنة و مفرطة ، تتحدد المدينة الفاضلة عنده صورة مكان يوجد فيه قدر وافر من الطعام ، وينزع إلى التفكير بأنه إذا أمن حاجته من الطعام باقي حياته ، سوف يكون سعيدا تماما ولن يحتاج لأي شيء أخر . حتى الحياة نفسها قد تتحدد في ضوء الطعام ، وأي شيْ عدا ذلك يعد غير هام ، فالحرية و الحب والشعور بالانتماء للمجتمع و الاحترام و الفلسفة ، قد تستبعد على أساس أنها صنوف من الكماليات و البهرجة ن عديمة الفائدة لأنها تفشل في ملىْ المعدة )

 2.  يتطلع الفرد دائما للحصول على أشياء مختلفة ، ومن ثم لا تشبع الحاجات كاملة فما أن تشبع حاجة ، إلا و تخفت أهميتها و تبرز بالتالي حاجة أخرى وهذه العملية مستمرة لا تنتهي أبدا ، والهدف منها جعل الفرد دائما في حالة تعبئة مستمرة من الطاقة .

 3. لا تتوقف الحاجة بعد إشباعها عن دفع السلوك إذ يتحرك السلوك عندئذ بتأثير حاجات أخرى لم تشبع .

4.  تتداخل الحاجات فيما بينها ، فما دامت الحاجة لا تختفي عندما تبرز حاجة أخرى فأن الحاجات لا تشبع إلا جزئيا .

  حدد ماسلو الحاجات الفسيولوجية بأنها تلك التي تكفل بقاء الفرد مثل الحاجة إلى الطعام و الشراب و الهواء و النوم ، والجنس و درجة حرارة معينة ، هذه الحاجات تتصدر قائمة الحاجات المختلفة في حالة عدم إشباعها . إذا بقيت حاجة واحدة منها بدون تحقيق أو إشباع فانها قد تسود و تسيطر على جميع الحاجات المتبقية .

    وحدد ماسلو حاجات الأمن بأنها تتمثل في رغبة الفرد في الحماية من الخطر التهديد والحرمان والتي قد تأخذ على سبيل المثال شكل الرغبة في الأمن النفسي والاقتصادي والرغبة العقلية في وجود عالم منظم يمكن التنبؤ بأحواله .إن الأمن النفسي يعني التحرر من الخوف أي كان مصدره - . فالانسان يكون في حالة امن متى كان مطمأنا على صحته وعمله ومستقبله وأولاده وحقوقه ومركزه الاجتماعي ، فأن حدث ما يهدد ذلك او توقع الإنسان هذا التهديد فقد شعوره بالأمن .قد يؤدي إحباط هذه الحاجة إلى أن يصبح الفرد متوجسا هيابا من الإقدام والمغامرة والابتكار وتحمل العقبات ويبدو ذلك في صور شتى مثل الخوف والذعر والعجز عن إبداء الرأي والدفاع عن النفس ،أو يبدو في صورة تحدي وعدوان . إن الخوف قرين للشعور بالنقص وضعف الثقة بالنفس كما يبدو انه صنو الكراهية ،فمن خاف من شيء كرهه . 

حدد ماسلو حاجات الحب والانتماء في رغبة الفرد في الانتماء والارتباط بالأفراد الآخرين والقبول من جوانب الأقران ، ويظهر إلحاح هذه الحاجة بعد أن يتم يتحقق الإشباع للحاجات الفسيولوجية وحاجات الأمن السابقتين عليها في المدرج الهرمي لحاجات الإنسان .يرى ماسلو أن الحياة الحضارية المتمدنة موحشة . وان تفكك الروابط التقليدية للأسرة واختفاء التفاعل الاجتماعي المباشر ( وجها لوجه ) وفقدان الأنشطة اليومية في المدن الكبرى لطابعها الخاص الشخصي ، يتداخل كله مع إشباع حاجات الحب التي إذا ما أشبعت بشكل ما ، تسود حاجة الفرد لاحترام نفسه واحترام الآخرين له حيث يرغب الناس بالشعور بقيمتهم في المجتمع والعمل والمنزل .      حدد ماسلو حاجات تقدير الذات في الرغبة في تقدير الذات وتقدير الآخرين لها و يؤدي إشباع هذه الحاجات إلى تولد الشعور بالقيمة والاقتدار ويؤدي عدم إشباعها إلى الشعور بالدونية والانحطاط .

    ثم حدد ماسلو حاجات تحقيق الذات في رغبة الفرد في تحقيق طاقته وإمكانياته الكامنة ، ويعبر عن هذا المعنى لتحقيق الذات بقوله ( أن يكون الفرد ما يستطيع أن يكون ) . ويعتمد تحقيق الذات أيضا على الفهم أو المعرفة الواضحة لدى الفرد فلا بد أن يعرف الفرد ما يمكن أن يفعله قبل أن يعرف انه يفعله بكفاءة وإتقان . إن الإنسان يسعى نحو تحقيق ذاته ويجاهد لتحقيق قدراته الكامنة ومثله العليا ، وقد اعتقد ماسلو أن حاجات تحقيق الذات  (حاجات نمو) التي تحسن الحياة ولا تعمل فقط على الحفاظ عليها وتسود لدى شخصيات الأصحاء ، ومع ذلك ، ووفقا لما ذكره ، فأن حوالي 1% فقط من الأصل الإحصائي السكاني يحققون ذاتهم .

وجه ماسلو انتقاده الشديد لعلم النفس لإسهامه في التعامل مع ضعف الإنسان بدلا من اهتمامه بجوانب قوته ،

فدراسة الصراع والخوف والقلق والذنب والعداوة لم تتوازن مع دراسة الضحك والمرح والحب وقد وضع افتراضا أساسيا يقضي بأن للجنس البشري حاجة أو دافع فطري إلى تحقيق إمكانياته فلديه إرادة حرة من اجل تحقيق سلامته وصحته ولديه دافع لتحقيق نمائه أو تحقيق إمكانياته الإنسانية ويتكون النمو السوي والصحي في التعبير عن هذه الحاجة . 

الانفعالات والدوافع

   إن الصلة بين الانفعالات والدوافع صلة وثيق ومعقدة في نفس الوقت ، يرى جانيه(Janent  )  ان الانفعال يحدث تغييرا غير متوقعا في البنية المادية أو الاجتماعية ، حيث لا يستطيع الفرد أن يرضي دوافعه بأسلوب ملائم أو لا يكون لديه وقت كافي لذلك . ويرى كانن (Cannon  (  إن الانفعال رد فعل طبيعي يصدر عن الفرد بأسره لمواجهة الطوارئ وإعداد الفرد للهرب أو القتال , فوظيفة الانفعال تعبئة طاقة الفرد لتحقيق التكيف بينه وبين بيئته ، ويرى أيضا أن إدراك الموقف المثير للانفعال يؤدي إلى تنبيه منطقة عصبية في وسط الدماغ تسمى (الهبيوثلاموس ) تنبيها شديدا ، يؤدي إلى الشعور الانفعالي والتغيرات الجسمية في أن واحد ، ويرى أن هرمون ( الأدرنالين ) يزداد إفرازه في حالات الانفعال العنيف ، وهذه الزيادة لها نتائج ذات فائدة حيوية للفرد فهي تعينه على الهرب أو القتال إذ تؤدي إلى :

زيادة سرعة النبض وشدته

ارتفاع ضغط الدم

انقباض الأوعية الدموية التي في الجلد

انطلاق السكر المخزون في الكبد

زيادة عدد الكريات الحمراء

زيادة سرعة تخثر الدم

  إن هذه التغيرات الفسيولوجية إذا لم يتم التعامل معها بشكل طبيعي عن طريق تفريغ الطاقة بالهجوم أو الفرار سيؤدي إلى خلل في كيمياء الجسم التي قد تؤدي ( إذا ما تكرر الحدث المؤدي للانفعال ) إلى اضطرابات جسمية، أمراض  (سايكوسوماتية ) مثل ضغط الدم العالي، السكر، التهاب القولون المزمن .... وتطول القائمة لتشمل حتى بعض الأمراض السرطانية.

مبدأ التوازن الهيموستاتي (Homostasis

      من المبادئ المقررة أن كل كائن حي يميل إلى الاحتفاظ بتوازنه الداخلي من تلقاء نفسه فان حدث ما يخل هذا التوازن قام الجسم من تلقاء نفسه وبطريقة آلية، بالعمليات اللازمة لاستعادة توازنه. إن الفرد كثيرا ما يتدخل ليساعد في استعادة توازنه المختل، فاختلال التوازن يؤثر أيضا في سلوك الفرد الخارجي. فان لم يفلح الكائن الحي في إصلاح ما اعتراه من اضطراب أو تعويض ما أصابه من نقص أي الفشل في استعادة توازنه العضوي، مرض وهلك ، إن الكثير من العلماء يرون أن مبدأ استعادة التوازن لا تقتصر فقط على تفسير السلوك الصادر عن دوافع وحاجات فسيولوجية بل يصدق أيضا على تفسير السلوك الصادر عن دوافع وحاجات نفسية اجتماعية( فان واجه الإنسان أي مهدد أو مشكلة ظل في حالة توتر و ضيق حتى يحل ) .

  يبدو أن العديد من الحوافز الأساسية تتبع النموذج المصور في الشكل 2 ، و تظهر الحاجة عندما تختلف حاجة الجسم بصورة دالة عن حالته المثلى، ويفترض أن المعيار المرجعي لتلك الحالة المثالية يحدد إما بالوراثة أو بواسطة مجموعة من العوامل الوراثية و الخبرة معا و لإعادة التوازن تنشط الحاجة دافعا ما. و عندئذ يثير الدافع السلوك الذي يهدف إلى إعادة حالة التوازن، و يفترض هذا النموذج أن الدوافع تكون جزءا من الخطة العظمى للجسم للتنظيم الذاتي أو الاتزان البدني.   

  إن الأفراد في أي مجتمع كثيرا ما يبحثون عن القيم و المعتقدات و الأهداف و الخطط لتوجيه سلوكهم. و تشير الدراسات إلى أن الأفكار يمكن أن تثير الدافعية بصورة قوية، بل إنها قد تتفوق في ذلك على الحوافز الأساسية.إن الحاجة إلى الاتساق العقلي أو المعرفي غالبا ما تستثير السلوك، و إذا ما تصارعت أو تناقضت الجوانب المعرفية ( المعلومات أو الأفكار أو المدركات ) يشعر الأفراد بعدم الارتياح، و في نفس الوقت، يشعر بالدافعية نحو اختزال التنافر المعرفي ( القلق الناجم عن التعارض و التناقض ) . في مثل هذه الحالات يبحث الأفراد عادة عن معلومات جديدة ، يغيرون سلوكهم أو يبدلون اتجاهاتهم ، و قد وصف عالم النفس ليون فستنجر ثلاثة مآزق أو مواقف عامة تنشط التنافر المعرفي و تستثير السلوك:

يحدث التنافر عندما لا تتناسق الجوانب المعرفية للشخص مع المعايير الاجتماعية .

ينشأ التنافر عندما يتوقع الفرد حدوث حدث ما و يقع آخر بدلا منه .

يحدث التنافر عندما يقوم الأفراد بسلوك يختلف مع اتجاهاتهم العامة.

خاتمة                        

      من خلال الاستعراض السابق نرى أن السلام يظهر في كل مستوى من مستويات الحاجات و الدوافع ، فالنقص بحاجات الإنسان الأساسية من طعام و شراب تؤدي إلى الخوف و القلق و الغضب فالثورة على كل القيم التي تعوق هذه الحاجة، كذلك تظهر الحاجة إلى السلام في المستوى الأخر، مستوى الأمن النفسي، عندما يشعر الفرد بتهديد لكيانه الحياتي و كيان عائلته نتيجة الحروب ( محلية كانت أم عالمية ) فقد الإحساس بالأمن النفسي. و على المستوى الثالث، عندما يفقد الإنسان السلام و الأمن النفسي فانه سيحاول البحث عن انتماءات جديدة تكفل له أو تحاول أن تكفل له الأمان مما قد يفرض عليه التزامات جديدة تدخله في حلقة مفرغة من الحيرة بين الولاء للمجموعة التي ينتمي إليها لتحميه و معتقداته و إيمانه الشخصي الذي قد يناقض بأفكاره  ما يؤمن به, و عندها ينشأ الصراع النفسي الذي قد يؤدي إلى اختلالات جسمية و نفسية . كذلك نحن نحتاج للسلام لتحقيق تقديرنا لذواتنا و توفير حاجاتنا للاحترام و القبول و الاستحسان.

      نحن لا نستطيع أن نحقق ذواتنا و نبدع و ننجز في مجالات المعرفة المختلفة دون سلام.إن طريق السلام يبدأ في قلوب الناس و عقولهم، عندما يملأ قلب الإنسان و عقله بالسلام يشعر بمشاعر جميلة رائعة ترتقي بأفكاره و يرتقي بأفكار الآخرين، بهذه النظرة المتفائلة يستطيع أن يرى انبثاق عالم جديد ملئ بالسلام و السعادة.

 

د. مظفر جواد احمد

مركز البحوث النفسية

السلام سبيل الأمن النفسي