Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

الحكمة السادسة والأربعون: حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج التحقق في مقامات الإِنزال

الحكمة السادسة والأربعون: حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج التحقق في مقامات الإِنزال
مشاركة 
الرابط المختصر

هذه الحكمة تأتي كالتتمة أو التوضيح لما تم بيانه في الحكمة التي قبلها.



والمقصود بالأعمال القربات والطاعات الظاهرة التي  يؤديها المسلم ببدنه، كالصلاة والصوم والحج، والصدقات وأعمال الدعوة إلى الله.

والمراد بالأحوال التوجهات القلبية إلى الله عز وجل، من حب وتعظيم وخوف ومهابة..

والمراد بمقامات الإنزال، الرتب التي يتدرج فيها العبد، إذ يعزم على السير إلى الله، والتخلص من آفاته النفسية التي تصدّه عن ذلك.

معنى هذه الحكمة إذن أن القربات والطاعات الظاهرة التي يؤديها المسلم إنما تتحقق فيها صفة الحسن والصلاح، بحيث تكون مقبولة عند الله عز وجل، بتوفر الإخلاص له في أدائها، وصفائها من شوائب العجب والرياء والغفلة عن الله تعالى.

 

غير أن هذه الصفة لا تتوفر في الأعمال إلا بنقاء الأحوال، أي بأن يكون القلب خالياً عن التعلق بالأغيار، على نحو ما تم بيانه في الحكمة السابقة.. ولكن كيف السبيل إلى أن يتطهر القلب من التعلق بالأغيار، حتى يتكوّن له من ذلك حسن الحال، الذي به تحسن وتصلح الأعمال؟

سبيل ذلك أن يأخذ المسلم نفسه متدرجاً بالمقامات أو الرتب التي تنزله أخيراً منزلة الأبرار الذين حسنت أحوالهم، فصفت وصلحت أعمالهم.

سأضعك من هذه المقامات أو الرتب، أمام الظواهر السطحية التي تتناسب مع حالي وحالك. إذ لسنا من هذه المقامات إلا أمام شاطئ رقراق طويل، لابدّ من اجتيازه بسلامة وفهم، قبل بلوغ عمقه المتلاطم.

المقام الأول، وهو مقام التوبة المقام الأول الذي لابدّ منه لاكتساب الحال القلبية السليمة مع الله عز وجل، هو التوبة. ولا يقولن قائل: إنني لم أرتكب ما يقتضي التوبة من الموبقات أو الآثام، فليس في الناس من لم يقصر في جنب الله عز وجل واستطاع أن يوفيه كامل حق الربوبية عليه.

حتى الرسل والأنبياء - وقد ثبتت لهم صفة العصمة - لم يتسنّ لأي منهم أن يؤديه هذا الحق الذي يتمثل في منن ونعم كثيرة لا حصر لها، ولا تستطيع القوى الإنسانية أن توفيه حقها. هذا بالإضافة إلى أن الناس كلهم - حاشا الرسل والأنبياء - كانوا ولا يزالون خطائين، وخير الخطائين التوابون. ولله عز وجل حكمة باهرة في الضعف الذي ابتلى الله عباده به، والذي تسبب عنه تعرّضهم بين الحين والآخر لآفات المعاصي والانحرافات، ولكن لا مجال هنا لبسط الحديث عنها. فلذلك يقول الله تعالى خطاباً لعباده المؤمنين جميعاً { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { النور: 24/31 }

 المقام الثاني مقام الصبر  المقام الثاني من مقامات الإنزال التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، مقام الصبر، وهو من مستلزمات التوبة، ولا وجود ولا معنى له إلا على أعقابها. إذ الإنسان قبل التوبة يتبع نفسه هواها بشكل كلي أو جزئي، ومن ثم فلا حاجة له إلى الصبر. ولكن إذا تاب توبة صادقة وعزم على الابتعاد عن الآثام والموبقات، فقد بدأت رحلته إلى الله على طريق الصبر. وهو لون عزيز وغالٍ من الجهاد، يمتاز بالشدة في مجال التحمل، وبالثمرات العالية في نهاية التسيار.. وهو صبر عن الاستجابة للأهواء الجامحة، وصبر على أداء الواجبات والنهوض بالقربات، وصبر على الغيبوبة عن كل ما سوى الله، بأن لايقيم بعد الله وزناً لمدح المادحين ولا لقدح القادحين، ولا لدنيا ازدهرت أمامه بإقبالها أو اكتأبت أمامه بإدبارها.

 

ومعنى الصبر في هذا الطريق، أن يأخذ السالك نفسه شيئاً فشيئاً بأداء هذه المهام، مستعيناً في ذلك بدوام الالتجاء إلى الله وطلب العون منه، موقناً أن لا حول له ولا قوة في تحمل شيء من هذا الجهد، إلا بالله عز وجل، واضعاً نصب عينيه قوله عز وجل: { وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ } { النحل: 16/127 } .

واعلم أن للصابر حالتين قد تبدوان متناقضتين:

الحالة الأولى: الشعور بالشدة التي لا قبل له بتحملها والصمود أمامها، ومآل هذه الحال أن ينصرف عن تجربة الصبر وقد فشل في السير على طريقها، بدءاً من الخطوات الأولى، وإنما تكون هذه الحال عندما يعتمد الصابر في ذلك على نفسه، ناسياً أن لا قبل له بذلك إلا بعون من الله عز وجل.

الحالة الثانية: الشعور بالتوفيق إذ يغالب الشدة فيغلبها، ويكابد المشقة فيتحملها. وإنما يكون ذلك عندما يستعين الصابر على صبره بالله، موقناً أنه لايملك لنفسه حولاً ولاقوة، وأن العون والتوفيق والقدرة على الصبر، إنما يأتي ذلك كله من عند الله عز وجل، فيجعل من التجائه الدائم إلى الله داعياً متضرعاً منكسراً، أن يمدّه بالتوفيق والثبات وأن يكسبه القدرة على الصبر الذي أمره به، ترجمان ثباته وصبره، ومآل هذه الحالة الثانية أن يزدهر الصبر بالوصول إلى غايته ومآله، وأن يفوز الصابر بما قصد إليه وابتغاه، وإن طالت المدة وكثرت المعاناة.. فتتحول صعوبات الصبر، بلطف الله وتوفيقه، إلى اعتياد ويسر، وتنقلب مرارته في النفس إلى حلاوة وأنس. حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج التحقق في مقامات الإِنزال

 المقام الثالث مقام الرضا المقام الثالث في مدارج السالكين على هذا ا لطريق، مقام الرضا. وهو من أهم ثمرات الصبر ونتائجه، إذا ثابر عليه المؤمن وصبر...

والسبيل إلى بلوغ الصابر المثابر على صبره، منزلة الرضا، يتمثل في أن يعلم أنه ينال الأجر الذي ادّخره الله للصابرين، وهو أجر عظيم عبّر البيان الإلهي عن أهميته وعظمته بقوله: { إِنَّما يُوفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ } { الزمر: 39/10 }.

وهو من أهم أسباب محبة الله للعبد، كيف لا وهو القائل: { فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ } { آل عمران: 3/146 }.

فإذا أحب الله عبده، توهج، من ذلك، قلب العبد بالحب له عز وجل، كما قال سبحانه: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } { المائدة: 5/54 }

وتَرتُّبُ الفعل الثاني على الأول في الآية ملاحظ ومقصود.. وإذا هيمن حب الرب عز وجل على قلب العبد، حلّ الرضا فيه بكل ما يأتيه من قبل الله عز وجل، محلّ الصبر على الضيق والضجر من المصائب والنوائب التي تنتابه فيغيب الصبر على البلاء ويحلّ محله الرضا بالقضاء.

وفي الناس، كما روى حجة الإسلام الإمام الغزالي، من يرى أن الإنسان لايملك، أمام المصائب والأحداث التي تخالف الرغبة والهوى، إلا الصبر، ويقول لو رضي الإنسان بالمصيبة كما يرضى بالنعمة، إذن لسقط الفرق بينهما، ولاجتمعا تحت اسم النعمة والمتعة، فلم يعد في حياة هذا الإنسان وشعوره ما يسمى مصيبته قط!..

وإنما يدخل هذا الوهم على أصحابه، من جراء جهلهم بحب العبد لله عز وجل أو من جراء إنكارهم له.. فأما من عرف أن قلب الإنسان إذا صفا عن الأغيار، توجه، بالضرورة، بسائق الحب إلى الله، فلابدّ أن يوقن بأن الحب ينقله من منزلة الصبر إلى منزلة الرضا بكل مايأتيه من عند الله عز وجل. حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج التحقق في مقامات الإِنزال - بيان العوامل التي ترقى بالسالك إلى مقام الرضا صافياً عن منغصات الصبر ويتحقق الرضا، ويصفو عن منغصات الصبر، بعاملين اثنين ذكرهما الإمام الغزالي، أذكرهما لك بإيجاز، وأضيف إليهما عاملاً ثالثاً أحسب أنه من الأهمية بمكان.

العامل الأول: ما يفعله الحب عادة في كيان المحب إذا تفاقم أمره وهيمن سلطانه، من حجز  مكامن الشعور ومصادر الإحساس فيه، لحسابه. فتمرّ به الآلام وتنوشه الأوجاع، دون أن يلقي لها بالاً، أو أن يشعر لها بالوقع الطبيعي الذي يشعر به سائر الناس، فيحدث الحب في كيانه ما يفعله المخدّر، وإنما ينكر هذا أو يرتاب فيه من لم يجرفهم سلطان هذا الحب، فلم يتذوقوه ولم يعرفوه.. وإنكارهم لذلك يستند إلى برهان صحيح لامطمع في نقضه، ولكن ضمن حدود تجاربهم الذاتية الخاصة بهم، ومن ثم فمن الخطأ أن يقيسوا الآخرين، في ذلك، على أنفسهم.

 

والحب الرباني إذا هيمن على قلب الإنسان، سرى منه تأثير (لاترى مثله في مشاعر حب الإنسان للإنسان) إلى كيانه الشعوري أجمع، وتسربت منه نشوة بالغة إلى مكامن الإحساس وجذوره، قد تتمثل في أنس وشوق، وقد تتمثل في إجلال وتعظيم، من شأنها أن تصادر إحساس المحب لحسابها، وأن تصرفه عن الشعور بالأغيار إلى الذات الإلهية التي هيمن حبها على مجامع القلب.

العامل الثاني: ما يحدث كثيراً من تلذذ المحب بالألم الذي يفد إليه من محبوبه فالمحب في هذه الحالة يشعر بوقع المصيبة وآلامها، ولكن الحب المهيمن على قلبه، لمن جاء هذا الألم من عنده أو بسببه، يجعله يتلذذ بالألم مع شعوره به.

وإنا لنعلم أن في الحب الأرضي الذي يسري ما بين الناس، بعضهم مع بعض، ما يزج المحب في هذه الحال، فيعرِّض نفسه لأذى محبوبه بل يرجوه أن يذيقه بيده الرائعة الجميلة من أذاه، وإنه ليتأوه إذ يشعر بالألم، ولكنك لاتدري كم يلذّ له هذا التأوه، إذ يطلقه على سمع محبوبه. فكيف إذا استحكمت محبة العبد لمالكه وخالقه عز وجل؟ لاريب أن كل آلامه التي قد تفد إليه منه جل جلاله لاتأتيه إلاّ وهي مكسوّة بأردية الرضا بالله عز وجل.

أما العامل الثالث الذي أضيفه إلى هذين العاملين اللذين ذكرهما الإمام الغزالي، فهو ثقة العبد بالله عز وجل، والمفروض أن جذور هذه الثقة ملازمة لإيمان العبد بالله عز وجل في كل المنازل والأحوال، إذ إن الإيمان بألوهية الله عز وجل، تستلزم الإيمان بحكمته. والإيمان بحكمة الله يستلزم الثقة بعدله ورحمته وفضله في كل ما قد يفد منه، حتى وإن لم يتبين له وجه ذلك.

 

إلاّ أن هذه الجذور تنمو وتزدهر وتقوى في مشاعر الإنسان ويقينه، في ظلال حبه لله عز وجل. فثقة العبد الذي فاض قلبه حباً لله عز وجل، أضعاف الثقة التي يشعر بها المؤمن الذي ليس بينه وبين الله عز وجل إلا عقد الإيمان العقلي به، مع انصراف  قلبه إلى ما هو مشدود إليه من الرغائب والأهواء. إذن فمحبة الله عز وجل تنمي الثقة به وترسخ اليقين التام بلطفه ورحمته وعدله في كل ما يقضي به، مهما كان في ظاهره مبعث شدة وآلام.

ومن شأن هذه الثقة إذ تتنامى في كيان المسلم وتبلغ حدّ الكمال، أن تكسبه الرضا التام بكل ما يقضي به الله تعالى ويختاره له.

وليس دقيقاً أن نضرب مثلاً له، ثقة المريض بطبيبه الجراح إذ يستسلم لمبضعه ساكتاً على ما يشعر به من آلام. ذلك لأن مبعث الثقة بالطبيب في نفس المريض حديث الناس عن عميق خبرته وعن واسع نجاحه في عملياته الجراحية، ومن شأن هذه الثقة أن تحمل المريض على الصبر لا أكثر. وهي منزلة دون منزلة الرضا التي نتحدث عنها، كما قد مرّ بيانه.. أما مبعث الثقة بالله في حديثنا هذا، فهو بعد الإيمان العقلي به عز وجل، عظيم محبته له.

فإذ استسلم هذا المحب لما يأتيه من عند الله عز وجل، من المنغصات والآلام، فإنما يستسلم له بسائق من الرضا بحكمه، وذلك هو شأن الحب فيما يفعله في كيان المحب تجاه المحبوب، وقد ترجم هذه الحقيقة على خير وجه المثل الدارج القائل: ((ضرب الحبيب زبيب)). والألم الذي يجده المحب يترجمه صاحبه إلى لذة من نوع فريد لايعرفه إلاّ هو، ومن كان على شاكلته.

 لايقولن قائل: إن هذا التكلف في تشقيق القول عن الصبر والرضا لم يكن مألوفاً في عصر الصحابة  ولايقولن قائل: إن هذا التكلف في تشفيق القول عن الصبر والرضا والفرق بينهما، لم يكن مألوفاً ولا معروفاً في عصر الصحابة..

فإنا نقول: بل إن هذا الإنكار الذي يأتي قفزاً فوق الأدلة، هو التكلف الممجوج الذي تنزه عنه أصحاب رسول الله  والرعيل الأول من المسلمين.. لقد صح أن سيدنا عمران بن الحصين أثبته المرض العضال على سرير من خوص النخل ثلاثين عاماً دون أن تفارق البسمة شفته، ولما دخل عليه مرة مطرّفٌ وأخوه العلاء، ورأى العلاء أخاه على هذه الحال، أخذ يبكي. فقال له: عمران لم تبكي؟

قال له: لهذه الحال التي أنت فيها. فقال له عمران: مه، فإن أحبه إلى الله أحبّه إليّ.. فانظر كيف غاض الصبر في ضرام هذا الحب وتجلّى في محلّه الرضا.

بقي أن في الناس من يقول لو جاز الرضا عن كل شيء لأنه آت من عند الله، لجاز الرضا إذن بكفر الكافر وبيان الجواب عن ذلك مفصلاً بقي أن في الناس من قد يقول: لو جاز الرضا عن كل شيء لأنه يأتي من عند الله عز وجل، لجاز الرضا بكفر الكافر ومعاصيه!!.. بل إن في الناس من لم يفهموا معنى هذا الذي تم بيانه، فأدركوه على نحو غير صحيح، وراحوا يقولون بضرورة الرضا بالفجور والفسوق، وضرورة ترك الاعتراض، لوجوب الرضا والتسليم بقضاء الله عز وجل.

ولقد أجبت عن هذا الوهم بتفصيل وبسط في أواخر كتابي (الإنسان مسيّر أو مخير). وهاأنا أذكره هنا ملخصاً بالقدر الذي يتناسب مع شرح هذه الحكمة:

هنالك فرق كبير بين القضاء والمقْضِيّ. القضاء معنى مصدري كما هو واضح، أما (المقضيّ) فاسم مفعول ينطبق على الوقائع الكونية والتصرفات الإنسانية التي تعلق بها المعنى المصدري، وهو قضاء الله عز وجل.

فعلم الله المصحوب بإراته المتعلقة بإيجاد مادة الخير والشر مثلاً (أي ما به يحصل فعل كل من الخير والشر) قضاء الله وحكمه.. وأما إقدام الإنسان على تسخير مادة الخير أو الشر لكسبه وإيجاده، فهو المقضيُّ الذي جاء نتيجة للقضاء الإلهي بإيجاد مادة الخير والشر، وإقدار الإنسان على فعل كل منهما.

فإذا تبين لك الفرق بينهما، فاعلم أن رضا العبد عن الرب يستلزم الرضا بالقضاء دون المقضي. ذلك لأن قضاء الله تابع لعدله وحكمته، فبينهما لزوم دائم لا انفكاك له. ومن ثم فإن رضا العبد بقضاء الله ضروري ما  دام موقناً بأنه عز وجل عادل وحكيم. ثم إن هذا الرضا يزداد رسوخاً وقوة بالعوامل التي ذكرتها لك.

ولكن - وقد عرفت الفرق بين القضاء والمقضي - هل يستلزم الرضا بقضاء الله الرضا بالأمر المقضي؟ أي هل يستلزم الرضا بقضاء الله بجعل الناس أحراراً مختارين يختارون لأنفسهم الإيمان أو الكفر، الرضا المقضيّ المتمثل في كفر كثير منهم وممارستهم للفسوق والعصيان؟

 

يجب أن نعلم أنه لا يوجد بين هذين الأمرين أي لزوم، ذلك لأن رضاك بقضاء الله هو رضاك بما يتمتع به زيد من حرية الاختيار ومن القدرة على اتخاذ القرار، ولا ريب أن لله في ذلك حكمة باهرة، أما رضاك بالمقضيّ فهو يعني انضمامك إلى زيد في اختيار ما اختاره من الكفر ورضاك به. وهذا ما لا يرضى به الله تعالى، ولا يرضاه لك، كيف وهو القائل: ((ولا يرضى لعباده الكفر)).

وإن رضاك بقضاء الله في دفعه الناس بعضهم ببعض، كما نص في محكم بيانه، يعني رضاك بأن يبتلي الله الناس بنوازع الأثرة والاستبداد وحب الذات، بالإضافة إلى ما متعهم به من حوافز الإيثار والمسامحة ونكران الذات، وإلى ما علمه وأراده لهم من التفاوت في القدرات والملكات والممتلكات (وهذه كلها مواد جاهزة لا ستصناع كل من الخير والشرّ منها) وهذا الرضا من أوليات الدين ومن أهم نتائج محبة الله والثقة بعدله وحكمته.

أما رضاك بالشر الذي يصنعه كثير من الناس من مجموع تلك المواد التي قضى الله بإيجادها وتجهيز الإنسان بها، عن طريق العدوان وإزهاق الأرواح البريئة، فهو رضاً بالمقضيّ!.. وليس بينه وبين الأمر الأول أي ترابط أو لزوم. ولاشك أن رضاك بهذا المقضيّ هو رضاً بالشرور الذي استوقد أولئك الناس نيرانه، ومن ثم فإن الرضا به في حكم الاشتراك في صنعه، وهو محرم بدون ريب.

وربما استشكلت هذا الذي أقوله، بما يخيل إليك من أنه كلما وجد القضاء وجد المقضيّ، وكلما فقد الأول فقد الثاني، ومن ثم فإن الرضا بالقضاء يجرّ إلى الرضا بالمقضي، وهو يعني ضرورة الرضا بكفر الكافر وجحوده، وهو ما لا يتفق مع أوليات الدين وبدهياته.

 

والجواب أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين، كما هو معروف في بابه، أما القسم الأول منه فيتعلق بالأمور التكوينية القهرية، التي لا دخل لإرادة الإنسان وحريته فيها. كتقلب الليل والنهار واختلاف الأزمنة، وهطول الأمطار وهبوب الرياح واخضرار العشب والنبات والزلازل والأعاصير.

وأما القسم الثاني منه، فمردّه إلى اختيار الإنسان وتصرفاته التكليفية وقضاء الله في هذا القسم يعني كما ذكرنا علمه وإرادته بخلق عناصر الخير والشر في طريق الإنسان مع إقداره على أن يستجيب لأوامره فيستخدمها في الخير وعلى أن لا يستجيب لها، فيستخدمها في الشر الذي نهى عنه.

إذا تبين هذا فاعلم أن بين القضاء والمقضي في القسم الأول تلازماً مضطرداً. فقضاء الله باختلاف الليل والنهار هو المصدر الذي إليه مردّ وقوع هذا الاختلاف، والاختلاف الفعلي هو النتيجة التي لابدّ منها والتي لا تصدر إلا من قضاء الله بذلك، ومن ثم فإن الرضا بقضاء الله في هذا القسم لابدّ أن يسري إلى الرضا بالمقضي.. وهذا يقتضي أن نقول: إن الرضا بقضاء الله بوقوع كارثة في مكان ما، كزلزال وخسف، يستلزم الرضا بالمقضي الذي هو وقوع تلك الكارثة فعلاً في ميقاتها الذي حدده قضاء الله عز وحل. وفي هذا إشكال كبير يشعر به الباحث لأول وهلة.

ولكن الأشكال ينمحي في ظل ثقة العبد بحكمة الله عز وجل.. إن الرضا، في ظل هذه الثقة، لا يكون بالكوارث من حيث ذاتها أي من حيث هي كوارث، وإنما لما قد يكون فيها من إيقاظ وإصلاح وتربية، يعود أثره إلى الناس بالخير والشر.

أجل.. فإن اليقين المجرد بحكمة الله وعدله ورحمته، من شأنه أن يوحي إلى النفس أن كل ما قد يواجه الإنسان من الكوارث والمصائب، خاضع لسلطان بيان الله القائل: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة: 2/216 } فكيف إذا صاحب هذا اليقين الحب؟ إن النفس عندئذ تتلقى، مع هذه الثقة طمأنينة القبول والرضا، كما قد فصلت لك من قبل.

ولا أرى مثالاً أشبه بهذا الذي أقول، من المحب الصادق، إذ يتلقى ضربة موجعة من محبوبه، إن هذه الضربة بحدّ ذاتها من أوضح أنواع الشر الذي تكرهه النفوس، بما فيها نفس هذا المحب. ولكنه عندما يرى نسبة هذه الضربة إلى محبوبه الذي هو متعلق به، يختفي منها كل معاني الشر والإيلام، ويتلقاها منه بكامل الرضا والسرور، فكيف إذا وثق بأن محبوبه حكيم ودود رحيم، لايقدم على ما أقدم عليه إلاّ لمصلحة رآها‍؟‍!..

أما القسم الثاني من القضاء، وهو ما كان مردّه إلى اختيارات الإنسان وتصرفاته التكليفية، فإن المقضي الذي تعلق به قضاء الله في هذا القسم، إنما هو واقع ما يتمتع به الإنسان من الحرية والاختيار.. ذلك هو القضاء، وهذا هو مقضيّه، ولاشك أن بينهما تلازماً بينا، وليس في ذلك أي إشكال. إذ التلازم قائم بين قضاء الله بأن يكون الإنسان حراً مختاراً، وبين أحد خياري الخير والشر إذ يتسنى للإنسان أن يتجه إليه. ولا إشكال في أن يرضى المؤمن بقضاء الله في حق الإنسان، وأن يرضى بالمقضي الذي هو القدرة السلوكية على التوجه إلى أيّ من الخير أو الشر.

ولكن أفيستوجب هذا أن يرضى أحدنا بالمعصية التي اختارها زيد من الناس؟ لا، لأن المقضيّ ليس هو اختياره للمعصية بالذات، حتى يستوجب الرضا بالقضاء الرضا بها.. وإنما المقضيّ تمكنه من اختيار أحد الشيئين: الطاعة أو المعصية.

وإذا تبين هذا، فإن واجب المسلم أمام قضاء الله هذا (أي القسم الثاني منه) يتلخص فيما يلي:

أولاً: وجوب الرضا بالقضاء الذي قضى به في حق عباده: أن يخلقهم مختارين قادرين على اتخاذ القرار الذي يشاؤون، ووجوب الرضا بالمقضي الناتج عنه، وهو تمتعهم فعلاً بهذه المزية، بعد خلقه لهم.

ثانياً: وجوب الرضا بما سيختاره المسلم إن كان طاعة مما قد أمر الله به، ووجوب عدم الرضا بما سيختاره إن كان معصية مما قد نهى الله عنه.

هذا باختصار هو الجواب عن هذا الإشكال. فإن بقيت في نفسك شائبة منه، أو كان في فكرك غموض في بعض ماقد أوضحت، فارجع إلى كتابي (الإنسان مسير أو مخير) بدءاً من الصفحة 220 فما بعد، تجد تفصيلاً وافياً لهذه المسألة.

إذن فصلاحية الأعمال تتوقف على حسن الأحوال، ويتلخص حسن الأحوال في فراغ القلب من الشواغل وعدم تعلقه بالأغيار، ليصفو له التوجه إلى الله حباً ومهابة وتعظيماً، وحسن الأحوال رهن بالتحقق، أي التدرج السلوكي في مقامات الإنزال.

وقد علمت أن أول هذه المقامات التوبة، يليها الصبر والمثابرة عليه، يليه الرضا الذي يحيل مرارة الصبر إلى حلاوة، ويسقط الفرق بين المنح والمحن، وبين إقبال الدنيا وإدبارها، وبين الشدة والرخاء.

وقد علمت أن من أهم العوامل التي تنقل المؤمن إلى منزلة الرضا، الحب. وإنما يزدهر الحب في القلب على أعقاب الصبر إذ يصبر ويثابر عليه السالك.

ولكن فكيف السبيل إلى ذلك كله؟.. كيف السبيل إلى  التدرج في هذه المنازل، حتى يصل إلى هذا الشأو؟

لا سبيل إلى ذلك إلاّ الإكثار من ذكر الله.. فهو وحده عدّة السالكين، وبمصباحه يستنير الطريق، وبأسراره تزول العوائق وتردم الأخاديد وتتحطم التضاريس.

ولكن ماهي آداب الذكر وسبيله، والرتب التي يتدرج فيها الذاكر؟

يجيب ابن عطاء الله  عن ذلك في الحكمة  التالية.

المصدر: دار الفكر دمشق للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي 


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع