Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

التنمية الذاتية: دروس وعبر من وحى الثورتين التونسية والمصرية

التنمية الذاتية: دروس وعبر من وحى الثورتين التونسية والمصرية
مشاركة 
6 مارس 2011

التنمية الذاتية هي احدي فروع العلم المستحدثة التي حاولت المزاوجة ما بين النظريات الفلسفية القديمة كفلسفة ارسطو والفلسفة الكونفوشية الصينية من جهة، والديانات المختلفة وتعاليمها التي تحاول الرقي بالانسان من جهة ثانية، ومتطلبات مرحلة عولمة السوق والنظام النيوليبرالي الذي يسعى الي مضاعفة انتاج الاسواق من اجل مضاعفة الارباح الراسمالية العالمية من جهة ثالثة. لذا فانك كثيرا ما تجد ان التنمية الذاتية مرتبطة بالعلوم الادارية وبدنيا الاعمال كما انها تحاول اللجوء الي النظريات النفسية والاجتماعية في توليفة خاصة تسعي الي تطوير الاداء البشري. لذلك فان التنمية الذاتية تسعي الي تطوير معرفة الذات وتحديد هوية الذات عبر تحديد الاهداف والوصول اليها، وتطوير الذكاءات المختلفة والمواهب المدفونة من اجل تحسين "نوعية الحياة" وخلق حياة مثالية عبر المساهمة الفاعلة في تحقيق احلام الفرد وتطلعاته .



ترسم تجربة الثورة التونسية التي امسكت بشعلة الحرية ومن ثم ناولتها للشعب المصري من بعده محورا وفرعا جديدا من الحراك الاجتماعي الذي يساهم في تنمية الشعوب والافراد بشكل عملي.

 ومن وحي الثورتين يمكننا رسم بعض ملامح هذه التنمية الذاتية كما قدمها لنا الشعب التونسي والمصري:

  • الوعي بالذات:  تنطلق الثورات لتعبر عن ازمة حادة وحقيقية يعيشها الشعب. وعادة ما تتمثل هذه الازمة في احباطات اقتصادية- اجتماعية يتم ترجمتها الي ازمة ثقة سياسية بين الحكام والمحكومين. الازمة الاخيرة في كل من تونس ومصر قد ولّدت وعيا لدي الثوار بقدرتهم علي التغيير . فاختفي بشكل مفاجئ الخوف من السلطة والخوف من القبضة الامنية الحديدية ليحل محلها احساسا بالثقة في القدرة علي التغيير الايجابي. هذه الارادة الجبارة في التغيير احدثت حالة من القوة المغناطيسية التي انطلقت لتؤثر علي مدي بعيد في اشخاص لا يعرفهم الثوار لكنهم يتصلون بهم فكريا دون سابق معرفة لكونهم يعيشون تحت ظروف متشابهة، الامر الذي يؤهلهم للعمل الجماعي معا دون سابق تنسيق. وهذا ما يفسر ان الثورة قد بدأت بشخص محبط في تونس ثم ما لبثت ان انتشرت كالنار في تونس ثم في مصر وهي ستؤثر بشكل او باخر في تعامل الشعوب مع السلطة من جهة وتعامل السلطات مع شعوبها من جهة اخري، كل بحسب انجذابه لقوة المغناطيس الذي اندلع من تونس. وستتحول هذه الشعلة الي ارادة جماعية بالتغيير السلمي الايجابي بدلا عن السلبية واللامبالاة التي كانت تميز الشعوب العربية.

الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي: انت اقوي مما تظن: إحمل في ذهنك فكرة ايجابية للتغيير الايجابي، حوّل هذه الفكرة الي عزيمة وقاوم شعورك الداخلي بالضعف. ستجد نفسك تمسك بشعلة تضئ حياتك وحياة من حولك وتدفعك الي الامام وستلمس تغييرا حقيقا في حياتك.

  • المسئولية الاخلاقية: عندما تنحدر ارادة الامم وقيمهم يحاول كل فرد البحث عن مصالحه الخاصة بغض الطرف عن الاثار الاخلاقية لما يقوم به من عمل. فهو لا يلقي بالاً ولا يهتم بالالتزامات الاخلاقية لتصرفاته. في هكذا جو ينتشر الفن الهابط جنباً الي جنب مع انتشار الثقافة السطحية والطغيان والتجبر والانانية وعدم الاحساس بالاخر والاستبداد من اجل مراكمة السلطة والثروة...وغير ذلك من امراض اجتماعية.

وعادة ما يهرب الناس من تحمل تبعات المسئولية الاخلاقية بتعليل ما يحدث لهم بانه "جزء من الاقدار" " وانه "هكذا كانت الدنيا وهكذا ستظل".

 انعشت الثورتان التونسية والمصرية الاحساس بالمسئولية الاخلاقية. فلم يعد من الممكن التحدث عن "انا ومن بعدي الطوفان" ، بل اصبح من الامور الملازمة لادارة الثورة التفكير في الاخر وتحمل مسئولية التعبير عن الرأي . ولقد رأينا كيف ان الثوار اصروا علي أن تكون ثورتهم سلمية ورفعوها شعارا لهم بالرغم من شدة البطش بهم من قبل رجال الامن.  لقد علموا الشعوب درسا في تحمل المسئولية الجماعية لانهاء الحكم الديكتاتورى واعادة الديمقراطية من جديد

الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي: انت مسئول اخلاقيا عن افعالك. ان المسئولية الاخلاقية تعني اخذ المبادرة من اجل انهاء مشكلة ما تواجهها انت او يواجهها من حولك. لذا افعل ما تقتنع بانه الصواب وما يتوافق مع معايير الاخلاق الدينية.

  • التفكير بشكل مختلف: اعتمدت الحكومات الاستبدادية علي خلق ثقافة سياسية تميزت اما بالنفعية  "الالتحاق بالسلطة من اجل الحصول علي المنافع والمزايا الممكنة" او بالسلبية المطلقة "الابتعاد والحذر من الانخراط في العمل السياسي" من باب "من خاف سلم"، "والخواف ربي عياله".

 

 وعلي مدي الاعوام تولدت لدي الشعوب العربية عدة انماط من التفكير كلها تحوم حول المشكلة لكنها لا تقدم حلا حقيقيا لها. سواءً كانت هذه المشكلة سياسية او اجتماعية او حتي شخصية. وتتراوح هذه الانماط من نمط التفكير الاناني الذي يهتم بمصلحته فقط ويضعها فوق كل مصلحة حتي لو كانت مصلحة الوطن، الي نمط التفكير النقدي العاجز الذي يصل الي اسباب المشكلة لكن يعجز عن تقديم الحلول الناجعة لها، الي نمط التفكير السطحي الذي لا يعي اصلا بوجود المشكلة لشدة انشغاله بتوافه الامور وصغائرها ، وإن هو حدثته نفسه بالتفكير فلن يخرج من دائرة العجز او دائرة تأطير المشكلة ضمن اطار ما يطلق عليه "نظرية المؤامرة" حتي لا يكلف نفسه عناء النقد الذاتي وألم التغيير الايجابي.

قدم الثوار في الدولتين نموذجا مختلفا من التفكير وهو التفكير الابداعي. فالمتابع للحشود المصرية مثلا في ميدان التحرير يجد ابداعا غريبا ومدهشاً في التعبير عن الذات. اغاني واهازيج ونكات بل وزفة لعريس وعروس ومسرح ورقص. وقد كانت كلها محاولات ليست فقط من اجل الترفيه عن المعتصمين بل ايضا كانت نوعا من النشاطات التي تساعد علي التفكير المرن وابتكار القرارت الحازمة والثبات عليها. وقد اتسم التفكير الابداعي لديهم بالقدرة علي تقديم حلول عملية بديلة من خلال تمسكهم بمطالبهم والتصميم عليها وتجاهل السلبيين والقمعيين.

 

 

الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي: بدلا من التفكير في المشكلة، فكر في الحل.تعلم كيف تتحدي مفاهيمك العتيقة وتغيرها... ابعد نفسك عن التفكير النمطي عند تفكيرك في الحلول...إذ أن استمرار المشكلة يعني ببساطة انك يجب ان تعيد اسلوب تفكيرك في الحل... ابدع في حلولك وبادر ولا تتراجع... فالمياة الراكدة لن تتحرك اذا لم تبادر وتقذف فيها حجراً.

 

  • البحث عن التحسن النوعي للحياة: قديما قالوا: ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.. فالكرامة والحرية ليست فقط في توفير لقمة العيش بل وايضا في احساس المرء بانسانيته... وتحسين نوعية الحياة. انها تعني تحسين نمط الحكم، احترام حقوق الانسان ، تحسين نوعية التعليم والخدمات الاجتماعية المقدمة من قبل الدولة، انهاء الفساد...الخ.  ولا يقاس التحسن في نوعية الحياة بزيادة الاجور ودرجة الرفاهية فقط بل ان لها العديد من المقاييس النفسية التي تستمد قيمتها من احساس مجموع الناس بقيمتهم الانسانية... والمتابع للثورتين يستطيع ان يلمس ان الثوار لم يكونوا يبحثون عن ازالة اشخاص محددين من السلطة الا لكونهم يقفون عائقا دون تحقيق تحسنا ملموسا في "نوعية" الحياة التي يريدون ان يعيشونها.

 

الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي :انت تستحق الافضل لذلك عليك بالسعي نحو التميز...اجعل هدفك ساميا تعلو همتك...توقع الخير وركز بقوة علي هدفك حتي يصبح جزءاً منك...ساعتها فقط ستتمكن من تحقيق المستحيل.  

 

  • التخلص من الوهم والخوف:  نخشي ان نبادر بالامساك بزمام الامور لاننا نخشي الفشل..كما اننا نخشي المتغيرات لاننا لا نعرف المستقبل. لذلك عادة ما نحاول ان نبقي في المربع الآمن بدلا عن المجازفة غير المأمونة...نخاف من الفشل ايضا لاننا لا نستطيع تحمل رؤية انفسنا فاشلين. لذلك نكتفي بالاحلام...او بالوعيد دون العمل علي التغيير. لقد كسر الثوار حالة الخوف هذه. فالمتابع للقنوات يجد تعبيرا صارخا عن الرغبة في الحرية هنا وهناك دون خوف مسبق من السلطة.

 

الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي: تحدي الخوف الذي بداخلك فالتعريف الصحيح للنجاح ليس هو تحقيق الهدف. بل النجاح هو ان تقوم بفعل الامر الصحيح وان لا تخشي الا الله... النجاح هو ان تبذل ما تستطيع من اجل التغيير الايجابي وان باءت محاولتك بالفشل يكفيك شرف المحاولة... اما الفشل فهو ان تبقي مكانك خوفا من المستقبل المجهول الذي قد يكون افضل من حاضرك الآن.

  • بث روح الامل في الغد: ان الماضي مهما كان كئيبا فهو لا يرسم معالم المستقبل. فدوام الحال من المحال. والجبروت مهما كان عظيما فهو زائل لا محالة لأن الجبار الوحيد في هذا الكون هو الله، ومن نازعه جبروته تخلت عنه الدنيا ولو بعد حين. والثوار الذين رفعوا شعار التغيير ، كان لهم امل حيقيقي في الغد، ولم يمنعهم تساقط الشهداء من اضاءة شمعة الامل حتي يسيروا علي ضوئها هم والاجيال القادمة من بعدهم. ان صنعة الامل هي من اصعب الصناعات لكنها الوحيدة الكفيلة برقي الانسان وتقدمه نحو المستقبل، ولولا الامل لما تجاوزت اليابان محنة القنابل الذرية ولا كان من الممكن ان تتجاوز اوروبا الحروب العالمية المدمرة.

 

الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي: انظر الي حلمك وتعامل معه علي انه الحقيقة الحاضرة الان. ارفع همتك ولا تجعل اليأس يتلبسك فالمحن تزيل الشوائب وتغفر الخطايا والنار تعطي المعادن النفيسة لمعانها وصفائها الحقيقي.

 

  • التعاون بدلا عن التنافس: خلق الثوار نوعا عظيما من التلاحم والترابط  والتعاون. فالكل يحمل هم الكل، ويدبر احواله مع الاخرين. وقد كان ذلك بديلا عن التنافسية البغيضة التي استشرت في مجتمعاتنا. ان احدي اهم النظريات التي نشأت عليها الامم المعاصرة فيما بعد الحرب العالمية الاولي هو مبدأ "ندرة الموارد" التي كانت احدي مرتكزات نظرية ادم سميث "الاب الروحي للاقتصاد الليبرالي الكلاسيكي". وتعني ندرة الموارد انه ليس هناك موارد تكفي للكل. كانت احدي النتائج الخطرة لانتشار هذه الثقافة هو استشراء روح التنافسية علي الرزق والمكانة والسلطة عبر اقصاء الاخر. وهو ما اصبح يعرف بأسم "اللعبة الصفرية". فما املكه انا يأتي خصما عليك،  وما تملكه انت نقصاناً لما يمكنني الحصول عليه. لا يمكننا ان نتشاطر اكل الكعكة معا...اما انا او انت. لذلك فشلت الاحزاب المعارضة للانظمة التسلطية من اجراء تغيير حقيقي في مجتمعاتها لانها بنت نفسها علي التنافسية لا التعاون.
  • الدرس المستفاد علي المستوي الشخصي: تتميز الموارد بالامحدودية، ونجاحك يعتمد علي جهدك. وتؤتي جهودك ثمارا اكثر لو اعتمدت علي روح الفريق والتعاون مع الاخرين ونبذت روح التنافسية... تأكد انك كلما اعطيت غيرك كلما اخذت اكثر...فالحسنة بعشرة اضعافها الي سبعمائة ضعف.

 


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع