الأمة التي لا تملك مرجعية تستمد منها معايير تستند إليها في وضع تشريعاتها و قوانينها و رسم مخططاتها و مشاريعها ، و الأمة التي لا تحمي شعبها من غزو المرجعيات المناقضة لهويتها غالبا ما تعيش في التيه و الضلال، فيكون مصيرها الضعف و الإضمحلال.

 

 

إبراهيم الطالب

 

 

فالوهن و الخور الذي يهيمن على واقع البلدان الإسلامية إنما كان نتيجة لكونها رضيت بعد استقلالها أن تمزج بين مرجعيات متناقضة، فلم تنعقد لها وحدة، و لم ينجح لها اقتصاد، و لم تفلح لها سياسة، إذا تجاذبتها تلك المرجعيات المتناقضة المستوردة من بلدان المحتل، فأضعفتها حتى انهزمت أمامه نفسيا و فكريا، لتصبح في النهاية تابعة له سياسيا و اقتصاديا.

فقوانين أغلبها علمانية تتناقض و مرجعيتها الإسلامية بدعوى التقنين و بناء المؤسسات، و اقتصاد الكثير منها رأسماليا ليبراليا لا يعترف بحدود الدين و أوامره ، غاياتها تبرر وسائلها، و مواطنوها يلعنون حكوماتها و يتهمون رجالها بالفساد و الخيانة.

 و رغم هذا كله، نجد هذه البلدان المسكينة ذات المرجعيات المختلفة المتناقضة تحاول أن تبقى مع ذلك محافظة على مرجعيتها الدينية و هويتها العقدية، فينتج قادتها و سياسيوها خطابا يعكس تشرذمها و تناقضها، لا يجد له صدى في قلوب رعاياها، لأنه لا ينسجم مع هويتهم مما يدفعهم إلى أن يبحثوا عن مرجعيتهم الأصلية و عن قادة جدد و لو خارج حدود وطنهم.

 و المغرب هذا البلد الذي طالما كان حرا مستقلا حتى عن باقي العالم الإسلامي، قويا بدينه و هويته لم يشذ عن التشرذم و التيه الذي تعاني منهما باقي البلدان الإسلامية، حيث يعرف التناقض نفسه بين مرجعيته الإسلامية وقوانينه الوضعية، ففي الوقت الذي تركز فيه جل خطابات النخبة و الساسة على احترام الهوية و الدين، نجد المخططات و المشاريع و التشريعات تخالف كل مقوماتها.

فمخالفة القوانين لمقومات الهوية و الدين جعلت السياسي يتدخل في الدين، بينما علماء الدين ممنوعون من الكلام في كل موضوع ديني ذي صلة بالحياة العامة ، مما يجعل الخطاب الديني داخل المؤسسات الرسمية للدولة يتناقض مع قناعات و ممارسات المواطنين الدينية.

 

 التناقض بين الخطاب الديني الرسمي و الممارسات الدينية للمواطنين

 

إن أهم نتائج تناقض القوانين و التشريعات مع رغبة المواطنين في أن ينظم الدين حياتهم العامة قبل الخاصة، تكمن في إضعاف ولاء الأفراد للدولة بمختلف مؤسساتها و قوانينها، و للوطن كمجال لتمظهر عمل و ترتب عن هذا كله في النهاية ضعف التماسك بين مكونات الدولة بالمفهوم السياسي للكلمة كشعب و ارض و حكم.

 ومن نتائج ذلك التناقض انه يجعل العالم و الخطيب و الفقيه ينتج خطابا لا يتماها مع الخطاب الرسمي للدولة أمام إلحاح أسئلة المواطنين و استفتاءاتهم، مما يدفع الدولة إلى أن تمارس بعض الضغوط على علمائها ووعاظها من اجل تغيير خطابهم، الأمر الذي يفقد مصداقيتهم عند المواطنين في حالة الاستجابة للضغوط، ويعمق الهوة بين علماء الدولة و الأفراد ، و يسهل استقطاب باقي الفاعلين غير الرسميين لهم.

أما العلماء الذين يرفضون الخضوع و الامتثال فان الدولة غالبا ما تعمد إلى إقالتهم من وظائفهم و تغييبهم بشكل كلي عن وسائل إعلامها، فتقترف بذلك خطا كبيرا في حق مصلحتها قبل حق مواطنيها و حق علمائها، لان ذلك يمنع العالم المخلص النزيه من أن يلتحق بمؤسسات الدولة الدينية، الشيء الذي يفسح المجال أمام أشباه العلماء و الوصوليين والمغرضين ومن لهم دائما الاستعداد لبيع دينهم بدنياهم، فيصير السياسي يتحكم في الديني تحكما على مستوى الظاهر فقط، بينما يتطور الديني و يزدهر في الباطن، لكن بانفصال تام عن الدولة و عن تأطير مؤسساتها الدينية.

وهذا الانفصال بين الظاهر و الباطن في الحقل الديني تكون له العواقب الوخيمة على مستوى اللحمة و التماسك، بل قد يتنامى هذا الانفصال إلى درجة العداء القابل في كل وقت للترجمة إلى أعمال عنف ، مما يمكن اعتباره خطرا يهدد استقرار البلاد على الدوام.

 

تغييب العلماء و إقصاؤهم لا يخدم مصالح الدولة نفسها

 

أن التناقض المذكور آنفا بين بعض التشريعات و المخططات مع مقومات الهوية و الدين، و كذا الضغوط التي تمارسها الدولة على علمائها، جعلت السياسي و المثقف و الصحافي بل حتى المغنيين و الراقصين و سفهاء الأحلام، يتدخلون في الدين و يحللون و يحرمون كما يحلو لهم ،مما أصبح مصدر استفزاز و قلق دائمين للمواطنين ، و سببا من الأسباب التي تغدي التطرف في المغرب.

و أمام هذه الفوضى العارمة يتعجب المرء عندما يرى العلماء و الفقهاء مع أنهم المنتج الرئيس للخطاب الديني المؤطر لسلوك المواطنين ، ممنوعين من الكلام في كل موضوع ديني ذي صلة بالحياة العامة ، كالربا و العري على الشواطئ و الاختلاط و انتشار الخمر و القمار و الدعارة و المذاهب المنحرفة و دعوات التطبيع مع الكيان الصهيوني…

إن الدولة عندما تمارس هذا الضغط على العلماء تحسب أن هذا الإجراء سيخفف من آثار التناقض المذكور و خطره ، و أن عزلها لعلمائها و فقهائها عن الصراع الدائر في المغرب بين الديني و السياسي يقرب الهوة بين المواطنين و مؤسساتها الدينية، بينما في الحقيقة تكون قد ارتكبت اخطر أخطائها ، لان الدولة عندما تمنع علماءها من الخوض في القضايا ذات الصلة بالنظام العام و تفرض على العلماء و الوعاظ و الفقهاء نمطا موحدا من الخطاب تكون بفعلها هذا تمارس إرهابا فكريا عليهم ، يجعلهم دائما دون مستوى ما يتطلبه التأطير الديني من استقلالية و قوة في الإدلاء بالحجة و الدليل الملتزمين للإقناع، خصوصا في ظل ما يمارسه الانفتاح الإعلامي و الثورة المعلوماتية من تحديات على مؤسسات العلماء ، مما يزيد من تأزم الوضع ، و يعمق الخلافات بين الدولة و رعاياها، و يجعل الخطاب الديني داخل المؤسسات الرسمية للدولة يتناقض مع قناعات و ممارسات المواطنين الدينية.

فهل التزام الحياد مثلا من طرف علماء المؤسسات الدينية للدولة في حرب العلمانيين على القيم الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة لفريضة الحجاب يخدم مشروع بناء الثقة بين العلماء "الرسميين" و المواطنين المغاربة أم يزهدهم في كل نشاط ديني تكون الدولة طرفا فيه؟

هذا مع العلم أن وجوب ارتداء الحجاب مسألة محسومة في المذهب المالكي، و مجمع عليها بين علماء الإسلام على مر القرون.

والمفارقة العجيبة أن فرنسا أم العلمانية اعتبرت الحجاب الإسلامي من الرموز الدينية، فلما تنامى انتشاره بين رعاياها و أصبح يهدد عقيدتها العلمانية، جمعت حكماءها الأربعين ليفتوها بشأن عزمها على اتخاذ قرار بمنعه، و بالفعل أفتوها بالمنع فمنعته دون اعتبار لحقوق الإنسان أو حرية الأفراد أو حرية التدين ، ما دام يهدد عقيدتها العلمانية حفاظا على تماسك مواطنيها و حماية لنظامها، بينما العلمانيون في المغرب يدعون إلى العري و التبرج عبر القناة الثانية العمومية، و ينكرون الحجاب على رؤوس الإشهاد و هو من صميم المذهب ، فلا يتحرك عالم يمثل مؤسسته العلمية لإصدار فتوى، تستنكر عبث العلمانيين و تدافع عن الدين.

ألا يعتبر إنكار الحجاب من الكبائر إن لم يكن من الموبقات التي تستدعي تحرك وزارة الأوقاف ومندوبيها؟

أم أن المراسلات لا تحرك إلا لعزل إمام صلى بالقبض أو لم يقرأ الحزب الراتب؟

أفلا ينمي هذا التقاعس و الحياد و هذا الغياب الفظيع لعلماء المؤسسات الرسمية فكر التطرف؟

لقد أصبح من اللازم على الدولة أن لا تفرض على الناس إلا ما يتوافق مع الكتاب و السنة حتى لا تفقد مصداقيتها عند المواطنين، و أن ترفع الحجر عن علمائها ليتمكنوا من الدفاع عن حرمة الدين و ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، حتى ترجع لهم مكانتهم و هيبتهم في قلوب المغاربة ،إذا كانت بالفعل تريد أن يستجيب المواطنون لمشروعها في إعادة هيكلة الحقل الديني ، خصوصا أن كل الدراسات أثبتت أن المغاربة يجنحون إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية و أحكام الدين بوتيرة عالية و مستمرة.

http://bla3almaniya.maktoobblog.com/