هل يمكن أن تنبت شجرة متينة الساق، ممتدة الأغصان، مزدهرة الزهور، ناضجة الثمار بلا جذور؟ مستحيل، فالجِذر هو أصل الحياة، وإن كان مدفوناً في الأرض لا يراه الناس، جرب أن تقطع شجرة من جذرها ثم انظر إليها بعد حين، لن تجد إلا ساقاً منبطحة على الأرض وأغصاناً مهشمة وزهوراً ذابلة وثماراً أصابها العطب، وما ذلك إلا لأن كل هذه الأجزاء حيل بينها وبين مصدر النماء والعافية الذي هو الجذر المدفون في الأرض··

 

إن دفن الجذر في الأرض وعدم اطلاع الناس عليه لا يقلل من قيمته البتة، بل لعل حفظه وستره بهذه الطريقة التي تبعده عن المؤثرات التي ربما تنال منه بالسلب، وتعيقه عن تأدية وظيفته بالتمام والكمال- هو الأبرك وألا تقع له ولباقي أجزاء الشجرة من ساق وأغصان وزهور وثمار أية مشكلات! لعل هذه الحقيقة العلمية وإن كانت مرتبطة بالنبات تنطبق كذلك علينا نحن البشر، لقد دأب الناس في زماننا- على التهوين من وظيفة ربة البيت التي هي جذر الأسرة والنظر إليها بانتقاص فارتسمت في أذهان هؤلاء صورة سلبية عنها، فهي بالنسبة إليهم محددة الملكات النفسية والذهنية متواضعة أو متوسطة التعليم، وهي تفتقر إلى المواهب التي تؤهلها لإثبات ذاتها في المجتمع، ولا تعرف شيئاً اسمه الطموح ولا تسعى إلى شيء من معالي الأمور غير إطعام زوجها وأولادها وترتيب البيت وتنظيفه··

 

حياتها ليس فيها إلا ما تفعله الخادمة، وتسوّيه الجارة، وجاء في التليفزيون أو الدش! ولست أنكر أن هذه الصورة موجودة وأنها ليست بالصورة الجميلة التي يزهو بها المرء ويفخر! وأن سلبيات هذه الصورة متعددة ومتعدية إلى كل الأطراف التي تدور في فلكها المرأة بدءاً من الأولاد، مروراً بالزوج، وانتهاء بالمجتمع والأمة والدين! فالأولاد يحتاجون إلى جانب المأكل والمشرب إلى من يغذيهم ويربيهم على الطموح والتفوق، ويحتاجون إلى من يزرع فيهم روح الكفاح والمثابرة والثقة في الذات، يحتاجون إلى من يحتضنهم احتضاناً متزناً لا يفسدهم بالتفريط ولا بالإفراط، يحتاجون إلى من يزكي أخلاقهم ويربيهم على المروءة وحسن الخلق، يحتاجون إلى من يستمع إليهم ويسدي لهم النصح ويأخذ بأيديهم ويعينهم على ضعفهم، يحتاجون إلى من يشاركهم فرحهم وحزنهم ويزرع فيهم الأمل والتفاؤل، يحتاجون إلى الدفء الذي يشعرهم بالحماية والانتماء، يحتاجون إلى السكينة التي تريحهم وتفجر طاقتهم وتصقل مواهبهم، يحتاجون إلى الحب الذي يشعرهم بالخصوصية والاهتمام··

 

هذا بعض ما يحتاجه الأولاد أما الزوج فهو يحتاج بجانب احتياجاته المادية، السعة النفسية التي تحتويه، يحتاج إلى الراحة والسكينة التي تخفف عليه من وطأة الاشتباك مع الخارج سعياً وراء لقمة العيش، وإثبات الذات يحتاج إلى الشعور بالعرفان بالجميل جزاء ما يبذل، وفي سبيل من يبذل لهم يحتاج إلى الاطمئنان على أولاده، وزوجه، وعدم مساورة الشك له في أي شيء يخصهم، وهذا هو بعض ما يحتاجه، أما المجتمع فإنه يحتاج إلى أشخاص متزنين نفسياً، مأمونين سلوكياً متعددي المواهب الإيجابية حسني الخلق يبنون ولا يهدمون ولا يريد أشخاصاً عدوانيين أو شاذين نفسياً أو معقدين، أو غريبي الأطوار، أو شديدي الحقد، يتملكهم الرفض لكل شيء وحب الانتقام من كل شيء والنزوع إلى هدم كل شيء، والمرأة الصالحة المرباة على الإسلام الواعية لدورها، الباذلة لدينها وأمتها- هي الوحيدة التي تستطيع أن تقوم بمثل هذه المهام الصعبة على صعيدها الثلاثي: الأولاد، الزوج، المجتمع، وبقدر ما تبذله من الوقت والتركيز في هذه الأصعدة الثلاثة تكون النتائج، فالمرأة التي تبذل ساعة من يومها في هذه المهام الشاقة - نظراً لانشغالها بقية اليوم في أمور أخرى كالعمل خارج المنزل، أو غيره، من الطبيعي ألا يكون نتاجها مقارباً في الجودة لربة المنزل المتفرغة للبذل في هذه الأمور، ثماني أو عشر ساعات في اليوم!


إنني لا أنكر أن ضرر بعض النساء بجلوسهن في المنزل كربات بيوت أكثر من خروجهن منه للعمل، ولكن أحب أن أؤكد أن هذا الضرر مرتبط بطبيعة المرأة ذاتها وملكاتها ونفسيتها وما يترتب على ذلك، وليس لكونها جالسة في البيت أو خارجة منه، كما أنني لا أنكر أن بعض النساء قد يعملن خارج البيت أستاذات في التربية والتنشئة الصالحة المتزنة، وأنهن يعوضن قلة الوقت الذي يبذلنه للبيت بما أوتين من ملكات عالية وأصل صالح وأخلاق حسنة··

 

إننا نريد ابتداء المرأة المسلمة التي صاغها الإسلام والتي تعي أولويات بذلها في الحياة، والتي تؤدي دورها المثمر بكل فخر وزهو سعيدة بمرضاة ربها عليها، ولا نريد تلك المرأة التي لا تعرف من الإسلام إلا اسمه حتى وإن جلست في البيت، كما أننا لا نريد تلك المرأة التي تختلط عليها الأمور، تتجاذبها الأفكار المستوردة التي تبعثر أولويات بذلها في الحياة وتقلبها رأساً على عقب، تلك الأفكار التي تخرجها من بيتها مسولة لها أن القعود في البيت والقيام على أمر من فيه بالاحتضان والتربية والاحتواء والمشاركة منقصة وسبة، إن الذين يزدرون وظيفة ربة البيت جهال بخطورة هذا المنصب وآثاره البعيدة في حاضر الأمم ومستقبلها الأخلاقي والاجتماعي، وأعباء هذا المنصب داخل البيت تكافئ أعمال الرجل الشاقة خارجه، وقد وجهت الشريعة كلا الجنسين إلى ما يليق به ويتفوق فيه·

 

لا ريب أن كيان المرأة النفسي والجسدي قد خلقه الله على هيئة تخالف تكوين الرجل، فقد خلق جسم المرأة على نحو يتلاءم ووظيفة الأمومة تلاؤماً كاملاً، كما أن نفسيتها قد هيئت لتكون ربة الأسرة وسيدة البيت، وبالجملة فإن أعضاء المرأة الظاهرة والخفية وعضلاتها وعظامها، وكثيراً من وظائفها العضوية مختلفة إلى حد كبير عن مثيلاتها في الرجل، وليس هذا البناء الهيكلي والعضوي المختلف عبثاً إذ ليس في جسم الإنسان ولا في الكون كله شيء إلا وله حكمة، وهيكل الرجل قد بُني ليخرج إلى ميدان العمل كادحاً مكافحاً، أما المرأة فلها وظيفة عظمى هي الحمل والولادة وتربية الأطفال وتهيئة عش الزوجية ليسكن إليها الرجل بعد الكدح والشقاء.

 

إن غياب المرأة عن بيتها فترات طويلة لأي سبب من الأسباب، له مساوئ تصل إلى حد المآسي المؤسفة، وهذا الأمر لا يخفى على أحد وتؤكده كل الدراسات والإحصاءات المتعلقة بالموضوع، سواء كانت غربية أو شرقية، إن الغرب دفع ثمناً باهظاً لخروج المرأة من بيتها على كل الأصعدة، وعلى صعيد المرأة ذاتها تم امتهان كرامتها، واستغل ضعفها وحاجتها، وعلى صعيد الأولاد نشأ أطفال غير أسوياء كثيرون منهم مرضى نفسانيون، وعلى صعيد الزوج والرجل كثرت الخيانات الزوجية واتخاذ الخليلات، وما تبع ذلك من انقصام لعرى الأسر وتصدعها، وهي الأمور التي دفعت الغرب في الألفية الثالثة إلى أن يعيد التفكير مرة أخرى في ما كان ينادي به من خروج المرأة للعمل، ولا شك أن القناعة بعودة المرأة إلى بيتها في الغرب ستتزايد يوماً بعد يوم على ضوء التجربة المريرة التي يحياها، وأنه في يوم من الأيام سيدعو صراحة إلى عودة المرأة إلى بيتها ربة له، معترفاً بأنه أخطأ وضيع معه أمماً كثيرة، ما كان لها أن تضيع ضياعه لو أنها تمسكت بما لديها من خير وحق وفطرة! وللحديث بقية في الأسبوع المقبل إن شاء الله·

 

عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 16 أبريل 2005