في كتاب "أسرار المحبين في رمضان" للداعية الإسلامي الشيخ محمد حسين يعقوب، نشرته كل من مكتبة "التقوى" و"شوق الآخرة"، يصحبنا المؤلف في رحلة مع عباد الله المؤمنين في رمضان، وكيف ينشغلون بربهم عن هموم الدنيا وأطماعها وأهوائها في تلك الأيام النورانية من كل عام، فيذكّر في مقدمة الكتاب بالآية الكريمة من سورة النساء: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث  منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" .. واحتفالا بقدوم رمضان نعرض فصولا من الكتاب القيم.

ذكّر المؤلف بقول العلامة ابن القيم: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه؛ حمله الله همومها وغمومها وأنكادها!، ووكله إلى نفسه"، وحتى يصير الرجل من النوع الأول فإن الأمر يتطلب منه جمع الهم، فلا يكون همه إلا رضا الله وحده، وهمة عالية ونية صحيحة، وهجر العوائد وقطع العلائق وتخطي العوائق.

وفي شهر رمضان الذي قال عنه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: "إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها فلعل أحدكم تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا"   تصفد الشياطين، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، ويأتي المدد من الله، بأن يأمر مناديا ينادي: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، فإذا بك ترى الاستجابة السريعة في كل مكان، المساجد امتلأت بالمصلين، وسمعت من النوافذ والأبواب صوت الأذات والقرآن، كثرت الصدقات، وتنوقلت المصاحف، وتنافس الأئمة في ختام القرآن، فإذا بك في ساعة واحدة بمجرد رؤية الهلال ترى ثورة شاملة في حياة المجتمع كله.

يستعرض الشيخ يعقوب من فضائل رمضان الكثير في هذا المؤلف، ومنها أن "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه يقول " قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم".

أما عن الصوم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" فالصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح، وهذه أعظم شهوات النفس، وفي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد منها:  كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، كما أن الصيام يخلي القلب للفكر والذكر؛ فإن تناول هذه الشهوات قد تُقسي القلب وتعميه، وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب ويزيل قسوته.

وبين فضائل الصوم أن الغني يعرف قدر سعة الله عليه؛ بإقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح، فيشكر الله، ويدعوه ذلك لرحمة اخيه المحتاج ومواساته، كما أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصوم وجاء أي وقاية؛ لإضعاف شهوة النكاح.

ولكن التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة خارج رمضان لا يتم إلا بعد التقرب له بترك الكذب والظلم والعدوان وكافة المحرمات في رمضان وخارجه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب صائم حظه من الصيام الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من القيام السهر" .

 

رمضان ثورة عبادية

يضع مؤلف الكتاب ملمحا هاما من مناقب الشهر الكريم، وهي أن جماعية الطاعة في رمضان تبعث في النفس نشاطا وثباتا، فالناس كلهم صائمون، ويجتمعون في صلاة التراويح، والنفس من عادتها أنها تنشط عند المشاركة وتغتر بالكثرة الكاثرة، فرمضان ثورة عبادية شاملة . وكذلك أن في رمضان تجتمع أمهات الطاعات.. فالصلاة والصيام وزكاة الفطر فيه فرائض واجبة، ثم هناك تلاوة القرآن.. والذكر.. والدعاء.. والصدقة.. والعمرة.. وإطعام الطعام.

كما أن بالشهر الفضيل فرصا كثيرة للعتق من النار، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

سنة الاعتكاف في رمضان تعد بمثابة غرفة عناية مركزة، لاستئصال سرطان الذنوب من القلوب، وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وفي الاعتكاف خلوة، وقطع التعلق بالبشر ، وجمع شمل القلب بعد تشتته، وتغيير الطباع البشرية في العادات من الأكل والشرب والنوم.

مازلنا مع فضائل رمضانية، حيث أنه يوجد ثلاث لا ترد دعوتهم، ومنهم الصائم حتى يفطر، وهو ما ذكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل العلة في ذلك أنه قبل الإفطار في آخر النهار يكون الإنسان في أحسن حالات استشعار الانكسار، وإظهار الافتقار، ومد يد الضراعة.

والصيام يشفع لأهله يوم القيامة، كما أنه فرحة للصائم عند الفطر، وقال ابن الجوزي: الصوم ثلاثة: صوم الروح وهو قصر الأمل، وصوم العقل وهو مخالفة الهوى، وصوم الجوارج وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع.

وقال: وما من جارحة في بدن الإنسان إلا ويلزمها الصوم في رمضان وغير رمضان، فصوم اللسان: ترك الكلام إلا في ذكر الله تعالى، وصوم السمع: ترك الإصغاء إلى الباطل، وصيام العينين: الغض عن محارم الله.

 

الوصايا العشر لاغتنام رمضان

ويضع المؤلف عشر وصايا قبل دخول الشهر الكريم وهي  أولا: الهدنة مع المناقشات والجدال، وقال تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"  البقرة: 185، لابد من هدنة في المنزل مع الزوجة والأولاد، قال تعالى: "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا"  النحل: 80، يحدث ذلك من خلال محاولة فض جميع المشاكل والمنازعات قبل دخول الشهر، حتى لا تعكر عليك جوك الإيماني.

ومن بين النصائح إجراء محاضر صلح بين أفراد الأسرة جميعا، والاجتماع بالأسرة للاتفاق على المبادئ التي سيتم السير في ظلالها في شهر رمضان ومنها عدم تضييع الوقت الثمين مع برامج التليفزيون التي لا تنتهي، والبعد عن سماع الأغاني وكافة الأمور التي تلهي عن ذكر الله، وضبط اللسان، والبعد عن الإكثار من العزومات والسهرات لاقتناص مغانم الشهر، واتخاذ السبل الجادة لإعانة أفراد الأسرة على الطاعة وقال الله في محكم التنزيل: "يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" التحريم: 6، قال ابن عباس رضي الله عنه: أي علموهم الخير وأدبوهم.

الوصية الثانية: هي إقامة هدنة في العمل مع الزملاء والمسئولين بتجاوز الخصومات، أما الثالثة: فهي إقامة هدنة مع نفسك للتخلص من هموم القلب، وسموم القلب خمسة هي فضول الكلام وفضول الطعام وفضول النوم وفضول الاختلاط وفضول النظر.

ولازلنا مع الوصايا، فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر نفسه مع المؤمنين المجدين في السير إلى الله، فقال الله تعالى: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا" الكهف: 28، كما أنك لابد أن تلتفت لأقاربك بالبر، وتطيع والديك، ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه الله، قال سبحانه: "وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا" الإسراء: 26، فلهؤلاء حق وليس تفضلا منك يا مسلم.

الوصية الخامسة: هي عمل هدنة مع النفس لترك الذنوب، سواء بأن تأخذ على نفسك عهدا بترك المعاصي، قال سبحانه "تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون" البقرة: 229، البعد عن أسباب المعاصي، العزم على عدم العودة للذنوب لأنك قد تموت عليها فتلقى الله عاصيا، أو قد يكون في رجوعك سقوط من عين الله.

الوصية السادسة: عمل هدنة مع طول الغياب خارج المنزل والارتباطات بالإقلال من كل ذلك، سأل عقبة بن عامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجاة فقال: امسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك"، وهدنة أخرى مع كثرة النفقات والتبذير فللأسف الناس تفهم رمضان خطأ وينفقون فيه ما لا ينفقون في غيره!! مع أنه شرع للتقليل من الطعام والشراب، قال تعالى: ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا" الإسراء 26 – 27.

ويمكن أن تتفق مع الأسرة على صدقة، فهي برهان على صدق المرء في إيمانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"، وأن تتفق معهم على إفطار الصائمين، اجتهد أن تفطر صائما أو صائمين أو ثلاثة كل يوم قدر استطاعتك، قال رسول الله: "من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء".، وأن تتفق على إطعام المساكين، قال الله تعالى "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا".

الوصية الثامنة: أن تقيم هدنة مع العقول والقلوب من التفكير والتدبير للدنيا: فكر في حسنة جديدة تعملها أو ابحث عن عبادة مهجورة لتقوم بها، فكر في خدمة المسلمين، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين يحلب للحي شياههم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذهب إلى عجوز مقعدة ضعيفة ليخدمها، التفكير في خدمة الدين  مثل أن تدعو رجلا لترك التدخين، التفكير في لذة أخروية  مثل أن تفكر في كيفية الخشوع في الصلاة.

ننتقل لآخر الوصايا التي يقدمها المؤلف في رمضان: فالوصية التاسعة: أن تقيم هدنة مع استهلاك أعضائك، تريح أذنك مثلا من ضجيج الكلام وصخب الهموم  ومن الغيبة والنميمة  وسماع الأغاني، تريح عقلك من التفكير في ما لا يفيدك، تريح أمعائك من ضغط ألوان الطعام عليها، وأخيرا الهدنة مع الهموم
بأن تجعل همك هما واحدا وهو رضا الله سبحانه وتعالى، ولو حدث لنالك كل خير وبر وبركة.

 

 

موقع الأسرة السعيدة