مفهوم القيادة الإدارية: أنواعها وأهميتها
دائماً ما نسمع في حياتنا مصطلحات مثل قائد الفريق، وقائد المنظمة، وقائد المؤسسة، وغيرها من المصطلحات الأخرى التي تتحدث عن القيادة. قد يعتقد بعض الناس أنَّ تحقيق مثل هذا اللقب يُعد أمراً سهلاً، وخاصةً مع كثرة استخدامه وسماعه من العامة.
إلا أنَّ مفهوم القيادة، يعني أن يتمتع المرء بفضائل تميزه عن الأشخاص العاديين، فالقيادة في حقيقة الأمر مزيج مكوَّن من الذكاء، والجدارة، والثقة بالنفس، والشجاعة، والانضباط، وإنّ أي خلل في مكونات ذلك المزيج القيادي يؤدي إلى خلل في ممارسة أدوار القيادة.
يؤدي الاعتماد على الذكاء وحده إلى تمرّد الآخرين على القائد، أما الاعتماد على الصفات الإنسانية وحسب، يؤدي إلى ضعف في القيادة، واستخدام الشجاعة لوحدها، يؤدي إلى عنف في القيادة، وكذلك يؤدي استخدام الانضباط الزائد والصرامة إلى قسوة في القيادة.
بناءً عليه، لكي تتحقق معايير القيادة الفعّالة، لا بد لذلك المزيج أن يكون متوفراً كله في شخص الإنسان القيادي. كما توجد مشكلة أُخرى تكمُن في الخلط بين مفهوم القيادة ومفهوم المدير، فالبعض يعتقد أنَّ المدير هو القائد، وبالعكس أيضاً، وإن كان هذا الاعتقاد صحيح في بعض الحالات الاستثنائية، إلا أنَّ المصطلحان يختلفان بعضهما عن بعض في المفهوم العام؛ إذ باتت القيادة ذات مفهوم مستقل كلياً عن مفهوم المدير، وباتت تخصصا مستقلاً يُدرَّس في أرقى الجامعات العالمية.
تطور مفهوم القيادة عبر التاريخ
تطور مفهوم القيادة عبر التاريخ، وقد كان تطوره مترافقاً مع التقدم الحضاري للأمم؛ حيث تعني القيادة سابقاً تحقيق الانتصارات، وسحق الأعداء، ومواجهة الصعوبات. على سبيل المثال، ما زالت الأقواس الرومانية، التي كان يحتفل قادة الرومان بالسير من تحتها، مثالاً راسخاً لفكر القيادة آنذاك.
على الرغم من طول الفترة الزمنية الفاصلة بين الرومان وعصرنا الحالي، نلاحظ أنَّ مفهوم القيادة حتى الآن يعني تحقيق الانتصارات، ولكن ليس بالحروب ولا بسحق الأعداء؛ بل من خلال امتلاك أدوات حضارية جديدة تواكب التطور الحاصل لمفهوم القيادة، مثل امتلاك مهارات الذكاء العاطفي، ومهارات التواصل الفعّال، ومهارات الإشراف والتفويض، وإدارة الأولويات، وغيرها من المهارات التي باتت مطلوبةً ليكون المرء قائداً في المكان الذي يحضر فيه. سنتعرف في هذا المقال على واحد من أوجه تطور مفهوم القيادة الإدارية.
ما المقصود بالقيادة الإدارية؟
يوجد ارتباط وثيق بين القيادة والإدارة؛ إذ لا يمكن فصل السلوكيات الإدارية عن السلوكات التي يؤديها القادة، وذلك بسبب التأثيرات المتبادلة بين كلا السلوكين. تتلخَّص أدوار الإدارة في التوجيه، والإرشاد، ومراقبة أنشطة المؤسسة. يأتي دور القيادة في منح الثقة، وإلهام الآخرين، واستخراج أقصى درجات التعاون والتفاعل بين مختلف الأفراد الذين يعملون في قطاعٍ ما، وهذا ما يجعل الارتباط وثيقاً بين القيادة والإدارة.
في ذات السياق، يمكننا أن نقول إنَّ القيادة الإدارية تجمع بين مهارات المدير وصفات القائد، وتكون الغاية النهائية هي تحقيق الأهداف الموضوعة بفعالية وتنظيم، مع تحقيق الرضا البشري.
شاهد بالفيديو: 7 طرق لتحسين مهاراتك في القيادة الإدارية
أنماط القيادة الإدارية
إنَّ الثقافة التنظيمية والبيئة الإدارية الموجودة في القطاع الذي يتطلب قيادة إدارية، هي التي تفرض استخدام نمط معيّن من أنماط القيادة الإدارية المختلفة، وهذه الأنماط هي:
1. القيادة الإدارية الديكتاتورية
يقوم هذا النوع من القيادة أساساً على مبدأ تفرُّد القائد بالقرارات، وإعطاء الأوامر، وطلب تنفيذها من دون نقاش. يتعامل هذا النوع من القيادة وفق الأنظمة، والإجراءات، واللوائح الموضوعة سلفاً، وإنَّ المؤسسات العسكرية أبرز مثال على هذا النمط من القيادة.
2. القيادة بالتشارك
يعتمد هذا النوع من القيادة على وجود رأس هرم قيادي يشارك الجميع في الاقتراحات الموضوعة، ليتسنّى للجميع الفرصة في المشاركة في عملية إبداء الآراء وتقديم الاقتراحات في أثناء عملية اتخاذ القرارات. لكن ما يتميّز به هذا النوع هو أنّ القائد له الكلمة الأخيرة، وهو الذي يتحمل مسؤوليتها، ومن فوائد اتباع هذا النمط من القيادة الإدارية هو تحفيز المشاركين نحو اكتشاف حلول المشكلات والتفكير بطريقة إبداعية.
إضافة إلى أنّ هذا النمط من القيادة يشعر باقي الأعضاء بأهميتهم في المكان الذي يعملون به، مما يعزز من شعور تحمل المسؤولية ويمكن أن نرى هذا النوع من القيادة الإدارية في الجامعات والمدارس. على سبيل المثال وببساطة، إنَّ إدارة المدرسة، من أجل وضع برنامج امتحاني لطلبتها، تجري اجتماعاً مع الكادر التدريسي لمناقشة توزيع المواد الامتحانية على الأيام، وكيفية بدء العملية الامتحانية، ويرجع القرار النهائي لمدير المدرسة.
3. القيادة بالتفويض
هي القيادة التي تعتمد طريقة إعطاء السلطة للفريق، بمعنى آخر يعتمد هذا النوع من القيادة على التفويض ونقل المهمَّات من شخص القائد إلى مجموعة من الأفراد، لتتولى عملية اتخاذ القرارات. يقتصر دور القائد في هذا النمط من القيادة على الإشراف، والإرشاد، والتوجيه نحو الوصول إلى الهدف الكبير، إلا أنَّ تطبيق هذا النوع من القيادة يتطلب توفر عمالة ذات مهارات مرتفعة، ومدربة تدريباً عالياً على كيفية التعامل مع المهمَّات الموكلة إليها.
لا سبيل هنا لذكر أمثلة عديدة تتعامل الإدارة فيها وفق نظام القيادة بالتفويض؛ إذ تنتهج، أغلب شركات الأعمال والخدمات الناجحة، هذا المنهج في إدارة عملياتها، فتفوّض المهمَّات إلى فرق عمل يتم إنشاؤها داخل المؤسسة وتكون لها الصلاحيات الكاملة لإنجاز ما هو مطلوب منها.
أهمية مهارات القيادة الإدارية في قطاع الأعمال
يفرض التطور الحالي في مختلف قطاعات الحياة العملية على جميع الأشخاص الذين يحضرون في مراكز عملهم، أن يتقنوا مهارات الإدارة القيادية لما لها من فوائد عظيمة تنعكس إيجاباً على الأشخاص كأفراد، وعلى القطاع العملي من جهة أخرى. من تلك الفوائد:
1. امتلاك الأرضية المعرفية عن العمل
يساعد امتلاك مهارات القيادة الإدارية على معرفة موقع المؤسسة الحالي في قطاع الأعمال، وتحديد كل من القطاعات المنافسة وشدة التنافس الموجود في المكان الذي تكون فيه هذه المؤسسة. كما تساعد هذه المهارة على تحديد الهدف العام للمؤسسة، ومعرفة قدرات الموظفين وكفاءاتهم من خلال المقدرة على تحديد نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم، مما يساعد في تنظيم العمل، وتقسيم المهمَّات وتوزيعها حسب القدرات والإمكانات ضماناً لسير المؤسسة بصورة صحيحة نحو النجاح في تحقيق هدفها العام.
2. زيادة الكفاءة الإنتاجية
يكون لدى الشخص الذي يقوم بمهام إدارية وقيادية ناجحة، من الفطنة والذكاء ما يؤهله إلى إدراك احتياجات الرؤساء والمرؤوسين، فيعمل على تلبية احتياجات الرؤساء من خلال القيام بواجباته ومهامه على أكمل وجه، ويلبي احتياجات المرؤوسين، الأمر الذي يجعل من ذلك الشخص شخصاً موضع ثقة من كلا الطرفين، سواءً كان الرؤساء أم المؤوسين، وسيعملون على إيجاد تواصل فعّال معه، وخلق بيئة عمل إيجابية تسير في المؤسسة نحو تحقيق الأهداف المنشودة.
3. تقليل معدل الدوران الوظيفي
لا يمكن أن نتجاهل أنَّ أحد أهم الأسباب التي تدفع الموظف لترك العمل وتقديم الاستقالة، هو عدم شعوره بأهميته داخل مكان العمل، وكذلك مكانته وقيمته التي يضيفها إلى المكان الذي يشغله. لذا، فإنَّ تطوير المهارات القيادية الإدارية، تُجنِّب المدير مثل هذه المشكلات.
على سبيل المثال، يتجلى تطوير مهارات القيادة الإدارية في امتلاك مهارات التواصل الفعّال ومهارات الإنصات، وإنَّ هاتين المهارتين فقط، كفيلتين بزرع شعور الاهتمام في نفوس الآخرين، فيشعرون أنَّ كلامهم مسموع، وأنَّ اقتراحاتهم تؤخذ في الحسبان بما يجعلهم يقدّرون أنفسهم ويشعرون بمدى الاهتمام بما يقولونه من كلام وأفكار.
4. بناء علاقات جيدة داخل العمل
يعني تطوير مهارات القيادة الإدارية، اكتساب مهارات إنسانية عظيمة. لعلّ أهم مهارة يمكن اكتسابها من جرّاء تطوير مهارات القيادة الإدارية، هي مهارات الذكاء العاطفي، والتي تتمثل في امتلاك القائد لمهارات في تحفيز الآخرين وإلهامهم، والتعاطف معهم، وحل مشكلاتهم، وإنشاء قنوات تواصل فعّال معهم.
على سبيل المثال، ماذا لو كان المدير في العمل لا يملك مهارات قيادية، فبكل تأكيد لن يكون لديه كل المهارات الإنسانية في التعامل مع الموظفين، مما يولد بيئة عمل سلبية غير قادرة على الإنجاز وتحقيق الأهداف.
5. إدارة الأولويات وتوزيع المهام
يعني امتلاك مهارات الإدارة القيادية امتلاك مهارات عظيمة في إدارة الأولويات وتوزيع المهمَّات، إضافةً إلى امتلاك مهارات إدارية تمكِّن المرء من وضع كل من الأهداف والخطط، وإجراء التقييمات، ورفع التقارير الدورية، وتعلُّم كيفية استثمار الوقت بطريقة مفيدة لا تسبب إرهاقاً وضغطاً على المدير وعلى الأفراد العاملين؛ بل ينساب العمل بطريقة سلسلة من دون عوائق أو مشكلات.
في الختام
يمكن للمرء استخدام النمط القيادي المناسب له، إلا أنّه من الضروري جداً أن يعمل أي فرد يجلس في مكان وظيفي أو يفُرض عليه أداء مهمَّات قيادية إدارية، أن يحدد نمطه الإداري والقيادي الخاص به، وأن يضع بصمته الشخصية التي لا تتشابه مع أحد غيره.
لا يعني هذا عدم الاستفادة من التجارب الناجحة للآخرين، كما لا يعني أيضاً تطبيق نموذج محدد سلفاً ومجرب من قبل، لأن النجاح فيه غير مضمون إضافةً إلى أنّ العواقب قد تكون وخيمة.